كتاب وأراء

خُــطـــى إلى الـــغَـــــد

مَن قال إن الحزنَ نَدفنه، وأن القهرَ نُداريه، وأن الماضي نَدقُّ مساميرَ نَعْشِه، وأن الكآبة نُغَلِّفُها بمساحيق التجميل حتى نَظهرَ في صورة «هاي كلاس HIGH CLASS» مهما أكلَتْ نارُ الكآبة مِن جمالنا الطبيعي، وأن الألمَ نُطفئ شمعتَه/ شُعلتَه، وأن الدمعَ نُغلق صنبورَه وأن اللبنَ المسكوب الذي بكينا عليه نستَعيدُه، وأن الجسرَ الذي عبرناه قبل أن نَبلغه لا يوجَد من الأساس؟!
هذه المقدمة التراجيدية لا تُضمِر تَبييت النية في التقاط مُكَعَّب آخَر مِن مكعبات السُّكَّر التي تَسعى جاهدا أنتَ إلى أن تُحَلِّيَ بها فنجان حياتك الْمُرّ، لكن دعني أُحَدِّثك عن شيء مِن الألم الدفين الذي كانت تتآكَل تحت وطأته روحُ كارنيجي المسكين..
صَدِّقْ يا صديقي أنه ديل كارنيجي DALE CARNEGIE الكاتب الأميركي الشهير الذي أشرَقتْ شمسه لِتُضيء عالمَ التنمية الذاتية، وما غابَت شمسُه وإن غابَ ديل الإنسان..
«دَع القلق، وابدأ الحياة» هذا العنوان الأشهر في مجال تنمية القدرات الذاتية، لاسيما وأن المقام يتعلق بعملاق في مجال عمله، نتحدث عن ديل كارنيجي دائما..
بيئة لا تتوفر على تربة صحية لبناء الإنسان والوعي كيف يُمكن لعاقل أن يَتصور بأنها سَتُنجِب لنا مَن يَبني بفكره صروحا مِن الوعي ومَعهدا سِمَتُه الرُّقي؟! إنه معهد كارنيجي، ولا غرابة أن يَحمل المعهد اسمَ الكاتب نفسه ويُشَكِّلَ مؤسَّسةً استثمارية يُضرَب بها المثل في صناعة الوعي والدفع بعجلة التنمية الذاتية إلى المراتب السامية..
الاستثمارُ هنا لا شأن له بعالَم التجارة والمال، لأن الطاقةَ الحقيقية تُوجد داخل الإنسان، والثروة الحقيقية منجمها قلب وعقل الإنسان، ولهذا لم يَجد النبيل ديل كارنيجي أَنْبَلَ مِن أن يَستثمر في قوة وطاقة خَلاَّقة لا تَخرجان عن هذا الإنسان، الإنسان الذي قلّما يَنتبه إليه مَن يُريدون لبلادهم التقدم والازدهار، وبدون إنسان مُؤَسَّس لا يمكن بحال أن نَصل إلى مستوى الانتقال..
ولأن الصُّدَفَ الجميلة تَأتي بالأجمل، فقد كان مِن حَظّ ديل كارنيجي أن عَثَرَ على نِصفه الآخَر توأم روحه في فرع مِن فروع معهده المتشعبة هناك وهنالك، إنها تلميذته وطالبته دوروثي DOROTHY PRICE VANDERPOOL التي قاسَمَتْ ديل كل شيء، وفي مقدمة ما قاسَمَتْهُ الفكر والمعرفة..
نُبوغُ ديل كارنيجي فكريا وتَأَلُّقُه على مستوى إدارة وتسيير معهده الذي استقْبَلَ نُخبةً من الأساتذة الجامعيين لم يَكونا لِيُخْفِيا شيئا مِن تَعَبه القديم وقَلَقه الذي لم يَهْدَأْ يوما إلى درجة أن زوجتَه دوروثي سَجَّلَتْ أكثر مِن ملاحظة تُؤكد أن الخبيرَ في مجال التنمية الذاتية تَنقصه الخبرةُ لِيُطَبِّقَ مكتسباته الفكرية ويُنزلها إلى أرض الواقع التي يَقف عليها..
الآلام القديمة لا تَموت، والشقاء يَترك في الروح تجاعيد لا يُخفيها ماكياج الابتسامة الكسيحة التي تَخرج بالقوة، أو تراها تَخرج مِن الفَم لا مِن القلب، وهذا ما يَحدث تماما مع نجوم الكوميديا الذين فهمْنا أنهم أَضْحَكُونا بحرارة، لكننا لم نَفْهَمْ أنَّ الحياةَ أَبْكَتْـهُم بمرارة، وبين الضحكة الشقية والدمعة الخفية كانت هناك رغبة تَموت، رغبة تَلِدُها غريزةُ حُبِّ الحياة..
هل تَدري أنتَ شيئا عن حُقنة الألم التي تَقتل غريزةَ حُبّ الحياة داخل الإنسان؟!
هل تَدري شيئا عن جبال الأحلام التي تَكبر معنا ثم ما تَلبث أن تَنهار ليَحلّ بنفسك الدمار؟!
هل تَدري شيئا عن روح فارَقَتْها الروح؟!
هل تَدري شيئا عن الظروف غير المشجعة على المضي في طريق الحياة، تلك الظروف التي تَفعل بك ما يَفعله بقطعة اللحم السكينُ؟!
لِمَ كل هذا الكلام؟! لأن حياة ديل كارنيجي كانت مُكْتَظَّة بالآلام، يَكفي أنه عاش طفولةً مُمَزَّقة في غياب أدنى متطلَّبات الحياة اليومية التي يَتَطَلَّع إليها الفردُ، ومَن يُصَدِّق أن كُلَّ هذا كان يَحدث في ولاية أميركية والشائع أن أميركا لم يَكن يَنقصها الثراء؟!
الهُزال، الحِرمان، الفقر، الخجَل الشديد وقِسْ على ذلك، كل هذه عوامل تَكفي لِتَقْتُلك إن لم تَجعلك تَظهر للآخَرين في صورة حقيرة تَدفعهم إلى النفور منك..
حياة ديل كارنيجي زهدَتْ في منحه أقلّ ما يُطلَب، ولأن شعورَه بالنقص كان يَكبر معه، فقد ولَّد عنده عقدةَ الخجل، الخجل من شكل جسمه النحيف، الخجل مِن ملابسه البادية كأنها مُرِّغَتْ في التراب، الخجل مِن البهيمة التي كان يَركبها ذهابا وإيابا هو القاطن أبعد مما يَنبغي عن مَقَرّ مؤسسته التعليمية..
حياة الفلاحين البسطاء فَتَحَ عليها ديل كارنيجي عينيه، اللقمة لا تَكفي، والزاد لا يُغني، والموجود لا يُداوي حُمَّى الحرمان التي تُتلِف جسدَ الرغبة في الأفضل الْمُريح، فكيف لك أن تُفَكِّرَ، في ظل هذه الظروف، في ما هو أبعد من الرغيف؟! وكيف له أن يُفكر في تحسين وعي الآخَرين هذا الإنسان الضعيف؟!
طريقُ الألف ميل يَبدأ بخطوة كما يُرَدِّدُ الصينيون، وهذا ما رَتَّبَ له ديل كارنيجي لِيُعيدَ تأثيثَ حياته هو الهارب مِن مُدُن الفقر والضياع إلى امبراطورية الفِكر العظيمة بعيدا عن أشجار الحَظّ العقيمة..
صاحبُنا ديل لا يؤمن بالحظ، لكنه في الْمُقابِل يؤمن بوجود ثروة في داخلك، ولِيدلّك على الطريق إلى الكنز يَقول لك هو: عُدْ إلى مُحَصَّلِك القبلي من الإرث الفكري الذي تَرضعه مع حليب الطفولة. هكذا ديل المثابِر تراه في سباق الحكمة يَفوز بالبطولة..
ديل الذي غَيَّرَ العالَم كابَد الأحزان قبل أن يُصبح له مكان في قائمة الناجحين، لِنَتَعَلَّمْ منه كيف نَصنع مِن يأسنا سفينةَ نجاة، وكيف نَكسر ساقَ الألم لِيَعيش الأملُ بداخلنا، وكيف نُصيِّرُ الحُلمَ أغنيةَ حياة، وكيف نَمُدُّ إلى الغد الخُطى بكل ثِقَةٍ وثَبات..
«كنتُ واحدا مِن أتعس الشبان في مدينة نيويورك.. كنتُ أَحْتَقِرُ العيشَ في غرفة رخيصة الأثاث.. ومازلتُ أَذْكُرُ أنه كانت لي بضع أربطة للعنق مُعَلَّقة على مشجب، فإذا مَدَدْتُ يدي في الصباح لأتناول واحدة منها تناثَرَت الصراصير إلى كل ناحية، وكنتُ أَحتقر تناولَ الطعام في المطاعم الرخيصة القَذِرَة التي كانت بِدَورها مرتعا للصراصير» [ديل كارنيجي، دع القلق وابدأ الحياة].

بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير