كتاب وأراء

انفصال وتواصل اجتماعي

تطرأ على الناس بين الحين والآخر مستجدات تغير من نمط حياتهم، وتؤثر في طرق تفكيرهم، وفي التعامل مع البعيدين عنهم والمحيطين بهم، من هذه المستجدات وسائل التواصل الاجتماعي، مثل السناب شات وتويتر والفيس بوك، وغيرها كتطبيقات الواتساب والماسنجر.
فمن المفارقات العجيبة أن هذه الوسائل قد أتاحت لمستخدميها التواصل مع أغراب عنهم لا يعرفونهم، وقطعت التواصل مع أقرب الناس منهم كآبائهم وأبنائهم وحتى أمهاتهم، فيصدف أن تجد أفراد الأسرة في البيت مجتمعين بأجسادهم متفرقين بأرواحهم، مشتتين في أفكارهم، كل منهم قد تناول هاتفه المحمول واستغرقوا في أحاديث لا طائل من ورائها مع أناس أمثالهم يبعدون عنهم آلاف الأميال، خلف المحيطات وعبر القارات، وتستغرق هذه الأحاديث من الوقت ساعة وساعتين وأكثر، ثم تنتهي وقد لا يعودون إليها مرة أخرى، وقد لا يعرف أي منهم إن كان تحدث مع رجل أو مع امرأة، فكثير من الرجال يستخدمون أسماء وصور سيدات والعكس صحيح كثير من السيدات يستخدمن أسماء وصور رجال، وللتوضيح فإن إطلاق وصف تواصل على هذه الوسائل يمكن أن يكون أوقع وأصح في دول الغرب الأوروبي ذلك لأنها تعاني من التفكك الأسري، فكثير من الأسر هناك يعيش الأب والأم والأولاد والإخوة في أماكن متفرقة بعيدة عن بعضها البعض، وكانت الصلات بينهم مقطوعة، لكنها تواصلت بفعل هذه التكنولوجيا التي نتحدث عنها، بعكس الواقع في بيئتنا العربية، أفراد الأسرة يعيشون تحت سقف واحد يتبادلون أطراف الحديث بحميمية ودفء، ثم جاءت هذه الوسائل وأخذت كل واحد منهم إلى واد بعيد وفصلته عن بقية أعضاء الأسرة فكريا وروحيا، لذلك وصف وسائل الانفصال هو الأوقع والأصح هنا.
وبما أن الأحكام لا تكون في الغالب المطلق شاملة للجميع فإن في وطننا العربي من استطاعوا الاستفادة القصوى من هذه الوسائل، إذ أنشؤوا حسابات مارسوا من خلالها التجارة وحسابات تخصهم عبروا من خلالها عن آرائهم في مجريات الأحداث، وأبدوا وجهات نظرهم في الكثير من القضايا الحياتية، مستهدفين خدمة الوطن والمجتمع، وتوصيل رسائل نبيلة تعكس وجود الخير في الناس مهما قست الأيام وتبدلت الأزمان والأعوام، وإن كان هناك قلة منهم ينزلقون إلى منزلق تقديم النصح والإرشاد للغير ولا يعملون بما ينصحون أو يرشدون، ويدخلون بذلك في من عناهم الله تعالى بقوله: «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم»، فالأفضل لمثل هؤلاء أن يكونوا قدوة للآخرين بتطبيق ما يعظون به الناس على أنفسهم أولا، أو أن يتركوا الناس في حال سبيلهم، وهنا تحضرني حكاية طريفة أجد من المفيد ذكرها، يقول الشيرازي: سهرت مع أبي ذات ليلة وحولنا نيام، فصلى أبي وصليت أنا ما أراد الله لنا أن نصلي، فقلت لأبي: لم يقم من هؤلاء من يصلي ركعتين، فقال: يا بني لو نمت لكان خيرا لك من وقوعك في الخلق، استقامتك لا تعطيك الحق في السخرية من ضلال غيرك، فلا تنظر إلى العاصي نظرة استعلاء، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولولا رحمة الله لكنت الآن نائما، وسلامتكم.

بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي