كتاب وأراء

يا شهر تمّوز

انتشـرت ذات يوم قصيـدة قيل إنها للشـاعر إبراهيم طوقان ومطلعهـا: يا شـهر أيّار يا شـهر الكرامات (أيّار: مايـو) وهي على الأغلب منحولة عـليه، وتقـليداً لهذا المطلع أقول: يا شـهر تموز يا شـهر المصيبات (تموز: يوليو). والحقيقـة أن اختيار كلمة «المصيبات» ليس دقـيقاً، ولكن للحفاظ على الوزن، وكان يجب القول «يا شهر الثورات»، إلا إذا كانت الثورة مصيبة أحياناً.
تموز في الأسطورة البابلية إله الخصب، عشـقته عشـتار إلهة الحب والثقافة والجمال، وهي أفروديت عـند الإغريق، لكن تموز قـتل، وذهـب إلى العالـم السـفلي، وبكت عشـتار وتوسـلت، فسـمحت لها الآلهة الكبيـرة بأن تسـتعيده شـهراً واحداً في السـنة، وكان الشـهر السـابع الذي يكاد يغـلي، ترى هـل لحـرارة الـشـهـر دور في كثـرة الثـورات والحروب في هذا الشهر عبر التاريخ؟
في هـذا الشـهر عام 1914 اندلعـت الحرب العالـمية الأولى، ولسـنا بـصـدد تحلـيـل أسـبابهـا ونتائجها، ولكنها أدت إلى سقوط نحو 8.5 مليون قتيل وأكثر من 21 مليون جريح ونحو 8 ملايين من الأسـرى والمفقودين، هل كان صراع الممالك والامبراطوريات يستحق هذا كله بالإضافة إلى دمار لحق القارة الأوروبية ومستعمراتها؟
في الرابع من تموز 2014 أطل أبو بكر البغدادي من جامع النوري في الموصل ليعلن قيام الدولة الإسـلامية في العراق والشــام، وبعـد ذلـك بثلاث سـنوات أعـلن «كذباً» مقـتل زعـيم داعـش الذي ارتكب رجاله جرائم تكفي لإعدامهم مرات، لكن جريمتهم الكبرى كانت أنهم شوهوا صورة الإسلام، حتى يكاد المرء يصدق أن داعش لم يكن إلا صناعة مخابراتية غربية.
وفي التاريخ نفسـه 4-7 ولكن عام 1776 أعلنت وثيقة اسـتقلال الولايات المتحدة الأميركية عن التاج البريطاني، والمضحك المبكي أن هؤلاء الثوار الذين قاتلوا للحصول على حريتهم واستقلالهم صاروا ألد أعداء الشعوب في سعيها لنيل حريتها واستقلالها. وهذا نفسه ما حدث للفرنسـيين، فقد انفجرت الثورة الفرنسـية (أم الثورات) في 14 تموز يوليو 1789، وجرت في فرنسا أنهار من الدم، ولكن فرنسا التي استقرت تحولت إلى القوة الاستعمارية الثانية مع بريطانيا.
وفي التاريخ نفسه ولكن عام 1958 قامت ثورة في العراق أنهت الحكم الملكي، وقادت فيما بعد إلى سـلـسلة من الثورات والانقلابات وأدت فيما بعد إلى أن يصل البعثيون إلى السلطة في 17 تموز 1968 وجاء صدام حسين ونعرف ما جرى بعد ذلك. هل كان هذا لمصلحة الشعب العراقي؟
في 23 تموز قامت «ثورة يوليو»، وعلق عليها الشعب آمالاً كبيرة، لكنها تحولت إلى دولة عسكرية استخباراتية متسلطة، وصلت إلى ما هي عليه مصر الآن، ويحلم كثيرون بما كان في عهد الملكية.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين