كتاب وأراء

الورق يهزم رقائق السيليكون

يحق للروائيين ومؤلفي الكتب الورقية أن يغتبطوا بعد دراسات في الولايات المتحدة وغيرها تؤكد أن الكتب الورقية لازالت هي الأكثر مبيعا من الكتب الالكترونية، وأن الاخيرة لم تنجح في إزاحة الكتب الورقية عن عرشها، وهذا يعني اولا أن الذين تخلصوا من مكتباتهم التي تحوي كتبا ورقية أملا في استبدالها بإلكترونية سوف تحتل مساحة محدودة في البيوت، وسوف لا تستوجب العناية الفائقة كل الوقت وتخليصها من غبار تسلل إلى رفوفها قد تعجلوا وأخطؤوا الحسابات، كما يعني ذلك ثانيا أن التعلق الميكانيكي بكل جديد والغدر بالقديم ليس صوابا على الدوام، فمن القديم ما يثبت احيانا انه يستحق الوجود والبقاء اكثر من الجديد، ومن ذلك مثلا أن رقائق السيليكون لا يمكن لها أن تعدم الورق الأبيض، وتحيله إلى التقاعد، فقد صار من الثابت انه لا غنى عن الكتب الورقية.
أعرف أن نظم التعليم الحديثة قد اعتمدت على الكمبيوتر اللوحي، ليكون بديلا عن حقيبة الكتب الثقيلة على ظهور فلذات أكبادنا، وهذا جيد، ولكن علينا كذلك الاعتناء بالمكتبات المدرسية وان نتيح فيها كتبا ورقية بما يتناسب مع مقتضيات التعليم الحديث، فلا نحصر اهتمامهم فقط بالكتب الالكترونية التي تتعلق بمناهجهم ودراساتهم.
صديق حضر اكثر من معرض للكتاب مؤخرا قال لي انه حزين لعدد الاصدارات الجديدة من الكتب التي يتم توقيعها خلال هذه المعارض، ويقول إن القضية لا تتعلق بما إن كانت الاصدارات الجديدة ورقية أو اليكترونية، بل بالمستوى الفكري والعلمي لهذه الاصدارات، وذلك على العكس تماما من الحياة الثقافية في دول متقدمة، نقرأ عن كتب فيها تصدر بأعداد كبيرة، وبمستوى فكري وعلمي محترم
ذكرني ذلك بما فعله الكاتب الأميركي الشهير ارنست هيمنجواي الذي كتب ذات مرة رسالة إلى ناشر رواياته يقول فيها: «لن أخفي عليك أني أجد رواياتي ليست جيدة. شكرا لله أنك رفضت نشرها. سوف أندم كثيراً لو أنك نشرتها».
الجدل القائم حول الكتب الورقية ومنافستها الالكترونية يراقبه الصحفيون عن كثب، فالأمر يخصهم ايضا، حيث هناك كثيرون يقولون إن المستقبل سيكون للصحافة الالكترونية، وان الصحافة الورقية اصبحت كما الرجل الطاعن في العمر، بدليل أن صحفا ورقية عدة في العالم انخفضت مبيعاتها، وأن أناس اليوم صاروا يتابعون الاخبار من مصادر الكترونية، غير أن ذلك ليس صحيحا على اطلاقه، فستظل الصحافة الورقية موجودة ما بقي القراء والقراءة، الأمر فقط يحتاج إلى تطوير وتجديد في تبويب الصحافة الورقية يعيد لها شبابها، ولن أحدثكم فقط عن تلك العلاقة العاطفية بين المرء والصحيفة الورقية، ولكن ستظل الصحافة الورقية قادرة على الانفراد في عالم الأخبار والتحقيقات الاستقصائية والحوارات والتقارير، وستظل قراءة المقالات والتحليلات وكل ما يتعلق بما ينشر ما بعد الخبر في الصحيفة الورقية لها متعتها الخاصة، كما أن الادب والادباء لا يحيدون عن الصحافة الورقية، ولهذا يمكن القول باطمئنان إن انتصار الكتب الورقية سوف يضاهيه ايضا انتصار تحققه الصحافة الورقية.. والأيام بيننا.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي