كتاب وأراء

قِراءَة فِي انعِكاسَاتِ الوَاقِع الإعلامِي المُدجَّن

إنَّ ما تقوم به الإدارة الأميركية في عالم اليوم وبشكلٍ صريحٍ ومباشر هو دَسُّ السُمّ بالعسل، والسعي لبلوغ مآربها السياسية من خلال ضرب المسلمين بعضهم ببعض، وخلق نماذج إسلامية سيئة وتسليط الضوء عليها وبالتالي إشهارها إعلاميًا، إضافة إلى زرع الفساد من خلال تمويل العقول المحسوبة على ديننا ومدّهم بكل أنواع الأسلحة والمعدات كي يظهروا على سطح الجغرافيا الدوليَّة كأعداء للسلام العالمي. وهذا يُذكرني بأشهر نظريات الاتصال وهي نظرية (رصاصة تحت الجلد) التي تُعتَبَر من نظريات التأثير السريع لوسائل الإعلام على الجماهير في كل مكان، فقد شبهت هذه النظرية الرسالة الاتصالية الإعلاميَّة بالمحلول الذي يُحقن به الوريد ويصل في ظرف لحظات إلى كُلِ أطراف الجسد عبر الدورة الدموية، ويُصبح تأثيرهُ قويًا ولا يُمكِنُ الفكاك منه. وبسبب حُقنة في وريد العالم أصبح الإسلام بفضل الإدارة الأميركية هو العدو الأكبر والمسلمون هم مناط الإرهاب في أي زمان ومكان. الحقيقة أنَّ الوعي العميق لهذه النتيجة مهم جدًا من أجل التحرك وبشكل جماعي لإجهاض هذه المساعي التي حصلَت على ترحيب عالميٍ كبير، فهناك أجيال متواترة طعّمَت هذه الأفكار في أذهانها دون أي تكلُّف، فنظرة واحدة منهم على ما يُنشر عن إسلامنا في الإعلام وما يظهر على الأفق من مجازر يقوم بها مسلمون نحو مجتمعاتهم أو نحو الأبرياء حول العالم تُكرِّس لهذا الفكر دون أن تتكبد الإدارة العالمية أي جهود إلا تلك المبالغ البسيطة في خلق أعداء غُنوصيين في صفوف البيت الإسلامي الواحد، الذي أصبح مفككًا اليوم للأسف الشديد. إنَّ الموقف يستدعي تدخلًا إسلاميًا واضحًا، فالموضوع يتعدى مرحلة الوعي بحجم الدسيسة الكبير إلى مرحلة العمل من أجل إجهاض الدسيسة في الحال، قبل أن يتكبَّدَ الإسلام أكثر مما تكبده من شتاتٍ عظيم!

إنَّ وسائِل الإعلام الكلاسيكيَّة والجديدَة أصبحَت تلعَبُ أدوارًا كبيرة ومؤثرة على الجماهير في كُلِّ مكان سواءً في المجال السياسِي أو الاجتماعِي أو الاقتصادي، فيما أصبحَت هذه الوسائل تقوم بأدوار المُؤسسات التعليميَّة والتربويَّة الجديدَة وتقوم بدورِ التلقين والتوجيه والتوعية، واليوم يُشار إلى دور الأسطول الإعلامي الواعي الرصين في زمن الحرب الباردة التي شنتها دُوَلُ الحصار على قطر، راسمةً أبجدياتها القذرة عبرَ طابورها الإعلامي بشكلٍ لا أخلاقي بلا أيِّ وعِي ولا خلَق بهدف حشِد واستقطاب الرأي العام ورفع معنويات أركانها المتهرِئَة، لكن هيهات أن تُحقق هذه الدول مآلاتها الصَمّاء حيثُ واجهت تلك الآلات الإعلامية ردة فعل صارمَة وثابتة من قِبَل الإعلام القطري الذي لم يسلُك مسلَكها في التطبيل والتزمير الشيطاني الأعمى، بل واجهت وسائلُنا هذه الحرب الباردة التي تبادَلَ فيها دولُ الحصار عُنفهُم المعنوي والمادي نحو قطر بكُل مسؤولية واحترام، كما واجهَت فيما واجهت أساليب الدعايَة المُغرِضَة التي تبنّتها دُوَلُ الحِصار والتي حاولت فيها زعزعَة الصفّ الداخلي القطري، إنَّ الإعلام القطري النزيه واجه كُل ذلك وأكثر مما تستحيلُ نصابُ الحروف أن تستوفيه في هذه المساحة- من أداء صحفي واستراتيجيات إعلامية وذُباب إلكتروني- وسعى بكُل جِدّ لتطبيق حرفيَّة المهنة الإعلامية متبنيًا بُنية تشريعيَة تكفَل حُريَة التعبير المسؤول وتداول المعلومات والأخبار الصحيحة مع الالتزام بأخلاقيات الأزمات والتحدّيات.

إنَّ الحروب الباردة على مدار التاريخ لم تكُن تقوم بمعزلِ عن الإعلام والحرب النفسيَّة والدِعايَة، ففنون الاتصال والإعلام كانت دائمة الصِلَة بالحروب والمعارِك، وعادةً ما يقومُ الإعلام في الحرب بدورِ إقناع وتأييد الجماهير المستهدفَة للخلافِ أو القتال، كما يقومُ في المقابل بإقناع الخصُوم ودفعهم لترك الخِلاف أو القتال والسعِي للهُدنة والاستسلام، إذَن فجوهَر الإعلام في زمَن الحرب الباردة؛ عملية حربية جادّة، والإعلام بشكلٍ عام يُعتبَر من أقوى الجبهات المُقاتِلة على مرِّ التاريخ، وفي الحقيقة ليتَ هذه الحرب على برودتها وطول نفسها لم تكُن قائمة، ليتَ دُوَل الحِصار ركّزَت على ذاتها أكثر ومنعَت نفسها وشيطانَها الداخِلي من التدخُل في شؤون العالمين، وقللت نشاطها العسكري المعنوي في الخارج وانشغلَت في رفاهِها ونمائِها عن السياسَة العالمية وصُنع العداوات غير المبرَرة، لكنها «ليت» تلك التي تُستخدَم عن اللغويين لتمني المُستحيلات! إنَّ دول الحصار لا ينبغي لها أن تعتَزّ بما تقُومُ بِهِ من حصارٍ جائرٍ غير قانوني واستخدامٍ مُشين لآلتها الإعلامية غير الأخلاقية، وكان النتاج في النهاية أن تتضَرَر اللُحمة الخليجية بادعاءاتٍ لا أُسس لها، وكانَ من الأجدَر بِها أن يسعى الإعلاميون العُقلاء في هذه الدول ممن تسلموا أمانة الكلمة وبها والتأثير الإيجابي على جمهورها أن يحيدوا عن تعطيل العقول هذا، ساعين إلى خلق مُناخٍ من التهدِئة، فالتهدِئَة الإعلامية مطلوبة قبلَ الحديث عن أيِّ تهدِئَةٍ سياسية، فالنار المعنوية المشتعلة في كُل الضمائر لن تخمَد إلا إذا خمدَت الفتنة العُظمى التي أشعلها وأغنى ويُغني إلى اليوم جذوتها شياطين دول الحِصار.

إنَّ عروجًا سريعًا على نمط البرامج التي تروجها الفضائيات العربية مؤخرًا يؤكد لنا أنَّ صُناع ومنتجي البرامج الخلاقة مالوا إلى الكسل وباتوا يكررون أنفسهم مراتٍ كثيرة، حيث تجد أنهم يأخذون عددًا من الأفكار التي قُدِّمت في برامج التليفزيونات الأميركية والبريطانية وغيرها ويقومون بتوليفها للعرض في نسخها العربية ما يجعل سقف الإبداع والتميز ينهار على أصحابه كل مرة، إنَّ هناك عشرات الدراسات وأوراق العمل والأبحاث، ومئات المقالات والتحقيقات الصحفية، التي ناقشت آثار ظاهرة البرامج الهابطة في الفضاء العربي، وهناك ما يُشبه الإجماع بأنَّ المُحصِلة في الجانب الأخلاقي والقيمي هي نتيجة سلبية وخطيرة تتمثل في خلخلة فكر المجتمعات وقيمها ونسيجها المترابط، وإعاقة حركة نهوضها وتقدمها وتنميتها البشرية، بالإضافة إلى تقليل قدرة الإنسان على أن يبذل جهدًا عقليًا منظمًا لتطوير نفسه وبناء ذاته، وتطوير مجتمعه، واستنزاف أوقات الشباب وطاقاتهم، وإلهائهم عن حياتهم، وإغراقهم فيما لا يعود عليهم بالفائدة، ناهيكَ عن استغلال الموارد المالية للمشاهدين، واستنزاف قدراتهم المادية، بأساليب متعددة ومتنوعة، بالإضافة إلى تحويل الشباب العربي إلى مستهلكين شديدي الولاء للجوانب السلبية في الثقافات الأجنبية، فلا يتم تسويق قيم العمل وأخلاقه، ولا البحث العلمي وأدواته، ولا الالتزام المجتمعي ومؤسساته، ولا الحِراك الحضاري وآلياته، وإنما يقوم الإعلام السلبي بتسويق أخلاقيات الشوارع المظلمة، والطبقات السُفلى من الثقافات الأجنبية، الأمر الذي يؤدي إلى تغيير وتبديل وقلب للمفاهيم وتزييفها أمام المشاهدين، فالإعلام السلبي يجعل اللصوصية بطولة، والغدر كياسة، والخيانة فطانة، والاحتيال ذكاء، والعُنف هو أقصر الطرق لتحقيق المآرب، وعقوق الآباء تحررا، وبر الوالدين ذلا، والزواج رقا واستعبادا، والنشوز حقا، والعفة كبتاً، كما أنَّ هذه البرامج قد تقوم بإثارة الغرائز الجنسية، وتشجيع انتشار الرذيلة، والترويج لشرب الخمور، وتناول المسكرات، وتعاطي المخدرات، ولا يكون ذلك بإعلانات مباشرة، ولكن بالتضمين والإدراج والإيحاء، في سياق المحتوى الإعلامي الذي يجعل من هذه الانحرافات شيئًا شهيًا مغريًا يحفِّز الإنسان لتجربته.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي