كتاب وأراء

مداعبات أخرى للأغاني

بيـضـاء لا كدَرٌ يـشـوبُ صفاءَهـا
كالـيــاســمـيــن نـقــاوةً وعـبـيــرا
ألـْـــوتْ عـليَّ فــضمّني من شـَعـرِهـا
لـيـل رأيـــتُ الـبـدر فـيـه مـنـيـــرا
هذه أبيات اشتهر بغنائها عملاق الطرب العربي صباح فخري، وغناها بعده كثيرون، حتى إنهم ينسبون اللحن إلى صباح فخري، والحقيقة أنه يؤديها على طريقة الموال، وهو فن أصيل من فنون الغناء العربي، ولكنه دون لحن سوى اختيار «المقام» ويُغنى– بلغة أهل الغناء– على طريقة «الفالت» أي دون إيقـاع، ويعتمد على قدرات المغني الصوتية وثقافته الموسيقية، ولا يرافقه أكثر من عازف واحد، هو على الأغلب عازف القانون أو العود، وقد غنى صباح فخري أبياتاً كثيرة بهذه الطريقة نذكر منها «جاءت معذبتي» و«قل للمليحة في الخمار الأسود» و«حبيبي على الدنيا» وغيرها.
هي خمسة أبيات أو ستة، ووجدت في أحد المواقع المهتمة بالأغاني أن الأشعار للعاشق المشهور «جميل بثينة» لكن الأبيات غير موجودة في ديوان جميل، ولا في الكتب الجامعة. وثمة دليل آخر هو الياسمين، فلم يكن هذا الزهر معروفاً في جزيرة العرب ولذا لم يرد في أشعارهم، ولذلك أرجح أنها لشاعر من البلاد التي تعرف الياسمين، ولاسيما بلاد الشام، وتعلمون أن دمشق تسمى «مدينة الياسمين» لكثرته فيها.
وقد يقول قائل إن الأفضل أن يقول نقاء لأن «نقاوة» من العامية، لكنه مخطئ، لأن المعجم يقول: نقِيَ ينقى نقاوة ونقاءً.
لقصيدة «الجندول» مكانة خاصة في الغناء العربي الحديث، فقد ابتكر محمد عبدالوهاب في تلحينها أسلوباً جديداً في تلحين القصائد، مختلفاً جداً عن الأسلوب التقليدي الذي كان أبرز أعلامه الشيخ أبو العلا محمد وسلامة حجازي وآخرون. والقصيدة من شعر علي محمود طه، حتى صار الشاعر يعرف بلقب «شاعر الجندول» وهو من كبار شعراء الرومانسية في الشعر العربي الحديث، وكان تلميذاً وصديقاً لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذي تمنى على عبدالوهاب أن يلحن القصيدة لحناً جديداً يتفق مع أجوائها، واستجاب عبدالوهاب لهذا الرجاء، ثم أخبر الشاعر محمد عبدالوهاب بأن العميد سيحضر تسجيل الأغنية، فطار الملحن المغني فرحاً، وحضر العميد، فوقف خارجاً والمغني في الداخل، وبينهما الحاجز الزجاجي، عبدالوهاب يرى العميد، وهو لا يرى المغني لأنه كان أعمى كما تعلمون، وبدأ الغناء إلى أن وصل المغني إلى قول الشاعر
ذهبي الشعر شرقيُّ السماتِ
مرح الأعطاف حلو اللفتات
فغناها عبدالوهاب «ذهبي الشِعر» بكسر الشين، والشعر هو الكلام الموزون المقفى، بينما الشاعر يعني «الشَعر» بفتح الشين، وهنا زوى العميد كتفيه تعبيراً عن الامتعاض، وانتبه المغني فأعاد البيت صحيحاً بفتح الشين، ومازال التسجيل يتضمن القولين «الشعر» بفتح الشين وكسرها.
واستمر الغناء حتى وصل المغني إلى قول الشاعر:
أنا من ضيَّع في الأوهام عمرَهْ
نسي التاريخ أو أنسي ذكره
غير يوم لم يعد يذكر غيره
يــــوم أن قابــــلتـــــــه أول مـــــرة
ومرة أخرى أخطأ محمد عبدالوهاب فقال «قابلتَه» (بفتح التاء) ويبدو أن العميد زوى كتفيه مرة أخرى، فأعاد عبدالوهاب غناء البيت صحيحاً «قابلتُه» ومازال التسجيل موجوداً وترد فيه كلمة «قابلته» بفتح التاء وضمها.
في القصيدة أيضاً خطأ نطقي، إذ غنى عبدالوهاب قول الشاعر:
أين وادي السحر صدّاح المغاني
لكنه لم يحسن نطق الكلمتين الأخيرتين فبدتا «صدّح للمغاني» وهذا خطأ شنيع، واسمعوا التسجيل، وأستغرب من فنان عظيم مثل عبدالوهاب تربى في كنف أمير الشعراء أن يخطئ مثل هذه الأخطاء.
ولحّن محمد عبدالوهاب وغنى أبياتاً من قصيدة «زحلة» لأمير الشعراء أحمد شوقي، وعرفت هذه الأبيات بمطلعها «يا جارة الوادي» وغناها بعده كثيرون أشهرهم فيروز ونور الهدى، وأخطأ محمد عبدالوهاب في غناء:
ولقد مررت على الرياض بربوة
غـنــّـاء كنـت حـيـالـهــا ألـقــاكِ
واللام في الرياض شمسية، أي لا تلفظ، لكن محمد عبدالوهاب في إعادة البيت حوّلها إلى لام قمرية لضرورة اللحن، لأنه وقف على اللام ليمد الكلام، وتبعه في هذا الآخرون، واسمعوا الأغنية بأي صوت تشاؤون
والطريف في الأمر أن كثيراً من الناس وبعض المثقفين يقولون إن المخاطب في القصيدة مدينة «زحلة اللبنانية» هذا صحيح، ولكن شوقي بدأ بالغزل، إذ كيف يستقيم أن يخاطب زحلة:
ودخلت في ليلين فرعِك والدجى
ولـثـمـت كالصـبـح المنـوّر فـاكِ
وأبيات غزلية أخرى. ولفت انتباهي في البيت الأول من القصيدة قول شوقي:
شــيـّعـت أحـلامي بـقـلـبٍ بــاكِ
ولمحت من طرُق المِلاح شباكي
واستغربت البيت، فما معنى «لمحت شباكي»؟ وعدت إلى الموسوعة الشعرية التي صدرت قبل سنوات في أبو ظبي، ووعدوا بتطويرها وتنقيتها وتحسينها، ولم يفعلوا، فوجدت البيت وفيه فعل «لمحت» لكن عجبي ازداد حين عدت إلى ديوان «الشوقيات» ووجدت البيت في القصيدة كما ذكرته، ولا يمكن أن تمر مثل هذه الغلطة على أمير الشعراء، لكن الديوان طبع بعد وفاة شوقي، وربما كان خطأ طباعياً، لأن الأقرب إلى العقل والمنطق:
ولممت من طرق الملاح شباكي
ويالها من لغة، يتغير المعنى بتغير حرف أو حتى حركة الحرف
من أشهر القدود الحلبية «قدّك المياس» وأشهر من غنى هذا «القـدّ» صباح فخري. معظم من غنوا هذا القد قالوا:
قدّك المياس يا عمري
يا غصين البان كاليسر
وهذا كلام لا معنى له، لأن اليسر الذي تصنع منه السبحة شعاب بحرية نباتية تشبه المرجان (بفتح الميم) لكنه أسود اللون وأخف من المرجان، وليس له أغصان ممتدة تميس أي تتمايل وتتبختر، تغنى الشعراء بشجرة البان (بانة) وأطلقوا عليها اسم شجرة الحب أو شجرة غصن البان، لأن قامتها طويلة ممشوقة، وتوصف المرأة عند العرب بأنها كغصن البان إذا كانت طويلة، وهكذا يكون الصحيح في كلمات هذا القدّ:
قدك الميّاس يا عمري
بغصين البان كاد يزري
وأزرى به يزري: استهان به وجعله يخبو. وبالمناسبة، اشتهرت حلب بالقدود لأنها حافظت عليها، حتى صارت تنسب إلى هذه المدينة العريقة، القد في اللغة هو القامة والمقدار، واصطلاحاً هو ان تصنع شيء على مقدار شيء، وشيء على قد شيء في الايقاع والموسيقى، والأغلب أنهم كانوا يصنعون القدود على قد الموشحات الدينية، والعكس صحيح.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين