كتاب وأراء

ابتسم أنت في سوريا الأسد!

قبل أيام كانت قلعة دمشق تصدح بأصوات الموسيقى والغناء، يقال إن وزارة السياحة السورية تسعى لإعادة إحياء المهرجانات الفنية التي كانت تنتشر في سوريا قبل الحرب، قلعة دمشق إذا كانت مزدانة بالأنوار، وبأصوات الآلات الطربية، وبالأجساد المتمايلة مع الأنغام الراقصة، كان على المسرح مطرب لبناني يلهب الجمهور السوري المتعطش للفرح، ستبدو الصورة مثالية لبلد يريد الخروج من الحروب، إذ لا شيء ينهي الحرب سوى الإصرار على الحياة.
والفن وسيلة من الوسائل الممكنة لتجاوز الموت، يا للروعة! دمشق تعود إلى الحياة، مهرجانات ومعارض كتب ودعوة مثقفين وانفتاح مجددا على العالم بعد أن تم القضاء الكامل على المؤامرة الكونية التي عصفت بهذا البلد الآمن! لا تستغربوا هذا الكلام، هناك كثر يقولونه ويرددونه، ليس فقط من السوريين المؤيدين للنظام السوري، وإنما كثر من العرب، من المثقفين والفنانين للأسف.
أولئك الذين كانت سوريا لهم محطة سياحة رائعة، يتجولون في مناطقها السياحية والأثرية، ويأكلون طعامها الفاخر، ويغازلون، ذات يوم قالها في وجهي شاعر عربي معروف: (خربتوا علينا إجازتنا السنوية)! نتأسف لكم أخوتنا العرب على ما فعلناه لكم، نعدكم أننا لن نكرر هذا الفعل الأهوج، لن نتآمر عليكم وعلى بلدنا ثانية، أساسا لم يبق أحد منا في البلد، مات من مات منا، وغيب من غيب، وهاجر من هاجر، ونفي من نفي، تفضلوا.. ها هي سوريا الأسد عادت لكم.
ولكي لا يقول قائل إننا نمجد الحرب والموت ضد السلم والحياة، فإننا نعي تماما أهمية وقف الموت وإعادة الحياة شيئا فشيئا إلى السوريين الذين لم يغادروا البلد، نعرف مدى حاجتهم للتنفس، قليل الأصل فقط من يطالب بمنع ذلك عنهم، وقليل الإحساس من يطالبهم بالصمود في وجه الموت وهو يعيش في مكان آمن يمارس حياته بشكل طبيعي، على أن ما يحدث في سوريا الآن هو أمر مختلف تماما، هو تجاوز لكل القيم الإنسانية والأخلاقية، هو تماما رقص على دماء السوريين، يشارك فيه سوريون آخرون، ويشارك فيه عرب لا يرون من سوريا سوى سوريا الأسد! فما معنى إذا أن تقام حفلات عامة صاخبة، في مكان ذي رمزية تاريخية كبرى، كقلعة دمشق، في الوقت الذي يموت فيه يوميا العشرات في المعتقلات المطلة على القلعة؟! وفي الوقت الذي أعلن فيه عن أسماء ما يقارب ثمانية آلاف سوري قتلوا تحت التعذيب خلال السنوات الأخيرة؟! وفي الوقت الذي يتم فيه تهجير السوريين في المناطق المحيطة بدمشق إلى أماكن أخرى، وتقصف بيوتهم ويتم تعفيش جنى أعمارهم بكل وقاحة وفضائحية؟! وما معنى أن يشارك مثقفون وفنانون عرب في فعاليات ثقافية وفنية يقيمها النظام السوري لتبييض صفحته الكالحة، في الوقت الذي يمنع فيه النظام نفسه مئات المثقفين والفنانين السوريين من العودة إلى بلادهم، ويشمت بموت من قتلته الغربة والقهر؟!
فإذا كنا جميعا، سوريين وعربا، نترجى وقف الموت والقتل، وعودة الحياة إلى طبيعتها في سوريا، فإنه من العار أن يقبل أحدنا بالتطبيع مع نظام دمر بلده، وقتل شعبه وهجره في منافي الأرض، ومن العار وضع اليد لتصافح من أحرق سوريا ليبقى هو، من العار زيارة سوريا والابتسام في وجه الكاميرات هناك وكأن لا شيء حدث في الوقت الذي يعيش فيه مئات آلاف السوريين على الحدود السورية، في مخيمات لا تقدم لهم أدنى شروط الإنسانية بعد أن دمر النظام مدنهم وقراهم وشردهم وأذلهم في سابقة تاريخية يندى لها جبين الإنسانية.
هل تمسح ابتسامات النجوم والمثقفين العرب أمام الكاميرات في دمشق صور الدم والمجازر خلال الأعوام السابقة، وهل يطغى صوت الموسيقى على صراخ المعتقلين؟! بئسا للفن والثقافة حين يستخدمان لتبييض وجوه المجرمين الكالحة!
بقلم : رشا عمران

رشا عمران