كتاب وأراء

أضواء القلب المسروقة



ما قصة زُهد الشاعرات العربيات في الانضمام إلى مؤسسة الزواج، يُؤَيِّدُهُنَّ في ذلك الأديبات؟!
هل يُصَيِّرْنَ هُنَّ المسألةَ ترفاً شخصياً في ظل مجتمع لا تَرْحَمُهُنَّ قُضبانُه وأصوات الرافضين لهن فيه وأَسواط جَلاَّديه؟!
أم تراهُنَّ يَجعلن الإضرابَ عن الزواج صيحة مِن صيحات الإبحار على سفينة الشِّعر والأدَب تلك التي لا تَحدّها حدود كخيالهن وإحساسهن؟!
أم تَحُول مسؤولياتُ الزواج وأذيالُ التزاماته دون السباحة في محيط «عَبْقَر» رغبةً في غوايته إلى أن يَتِمّ إطلاق سَرَاح لؤلؤ الحرف لا محاره؟!
لِنَقُلْ إنها وَلاَّدَة، ولادة بنت المستكفي، قيثارة الأندلس الشجية هذه التي تَدعونا إلى فنجان قهوة بنكهة الشِّعر بين أَوْتَاد خيمة عربية:
«أنا والله أصلح لِلمَعالي
وأمشي مشيتي وأتيه تِيها
أُمَكِّنُ عاشقي مِن صَحنِ خَدِّي
وأُعْطِي قُبْلتي مَنْ يَشتهيها»
[ولادة بنت المستكفي].
لكنْ لِمَنْ تَقولُ هذا الكلامَ مُدَلَّلَةٌ تَحمل عَبَقَ أميرات الأندلس؟!
وما مُناسَبَة هذا الخِطاب الذي ما كان لِيَخطرَ على بال امرأة عربية؟!
لا غرابة أنَّ نارَ الانتقام أحيانا تُهَوِّنُ التضحية، ولعلَّ شاعرة بإحساس وَلادة أرادت أن تُلَقِّنَ الرجُلَ درساً لا يُنْسَى، فما بالك أن تكون الفاعلة الحبيبة الأَطْيَب قَلبا والأَقْسَى!
والْمُسْتَهْدَف مَنْ؟!
إنه المجنون بن زيدون، ابن زيدون الذي غاب عنه أن يَحسبَ حسابَ امرأة تُعْشَق وليس مِن الضروري أن تَعشَق..
إنه الانتقام بعد الغرام: انتقامُ المرأة حُمَّى، وحِقدُها وَباء، وكِبرياؤها بَحر جبَّار لا يُمكن للرجُل قُدَّامَه إلاَّ أن يَنْهار..
فماذا عن الدموع؟!
دموع المرأة قصيدة، وأيّ امرأة نَقصد؟! إنها المرأة العائدة مِن رحلة عشق، المرأة تلك لا تَختَلِف عن العائد مِن ميدان معركة، فإما أن تَكُون عودةَ انتصار، وإما أن تَكون عودةً بطعم الاحتضار..
ولأن المقام مَقام وَلاَّدة، فهل سنتحدث عن قصيدة دموع صارخة أم عن قصيدة صامتة؟!
مِن المؤكَّد أنَّ كُلَّ الأشعار، أشعار امرأة عربية تَحمل بين أَضْلُعِها قلبا بصلابة جِدار، لا يُمكن إلا أن تَصمد، كصاحبتها تَصمد، فشِعرُها يَبوح بأحوالِ جَوْقَةِ عصافير قلبها التي لا تَستسلم ولا تَرضى بأن تَهزّها ريح أو تُنتَزَعَ منها ريشة أو يُبَحّ لها صوت..
لكن مَن يجرؤ على أن يَجرحَ روحَه؟!
وكيف لقلبه ألاَّ يُصْبِحَ مَذبوحَه؟!
إنه بن زيدون الذي يَجهل اللحظةَ التي ضيَّع فيها قلبَ امرأة تُعَدِّ سيدة الجبروت، تلك وَلاَّدَته التي كانَتْ تَمدّ قلبَه بالقُوت، ثم غابت شمسُها، فغاب بالْمِثل السكونُ والسكينة، وانطلق اللسانُ يَعتصِرُ جُروحَه الدفينة:
«أَضْحَى التنائي بَديلاً عن تَدانينا،
ونابَ عن طِيب لُقْيانا تَجافينا..
لم نَعتقد بَعدكم إلا الوفاء لكم
رأيا، ولم نَتَقَلَّدْ غيره دينا..
بِنْتُم وبِنَّا، فما ابْتَلَّتْ جوانحنا
شوقا إليكم ولا جَفَّتْ مآقينا،
نَكاد حينَ تُجافيكم ضمائرُنا
يَقضي علينا الأسى لولا تَأَسِّينا،
حالَتْ لِفَقْدِكُمُ أيامُنا فَغَدَتْ
سُودا، وكانتْ بِكُم بِيضا ليالينا..
لا تَحسبوا نَأْيَكُم عنا يُغَيِّرُنا
أن طالما غَيَّرَ النأيُ الْمُحِبِّينا،
والله ما طَلَبَتْ أهواؤُنا بَدَلا
مِنكم، ولا انْصَرَفَتْ عنكم أَمانينا»
[ابن زيدون].
وتَستمر قصيدةُ بن زيدون النُّونية لِيَمْضِيَ في بَثِّ محبوبته لَواعِجَه وحارَّ أشواقِه تلك الأقرب إلى البُحَيْرَة التي تَغْلي وتَغْلي فيها رُوحُه بالْمِثل..
لكن هل كان ذلك لِيُحَرِّكَ امرأةً قلبُها الجَسُور لا تَنال منه النُّسور؟!
قوةُ شخصية وَلاَّدة ما كانت لِتُركِعَ قلبَها أمام إلحاح رَجُلٍ خانه الحظُّ في الاحتفاظ بِضَفيرة الوَصْل دُون عُقَد، فكان صَدُّها لابن زيدون بمثابة اعتراف مَضْغُوط بأنَّ لِكُلّ قارورةِ حُبٍّ أَمَداً..
لا تُجَرِّبْ أن تَتلاعَبَ بِعِطرِ قلبِ امرأة، واتَّقِ شَرَّ غضْبَتِها الأَمَّارة بزلزال يُدَمِّر مدينةَ المشاعر ما أنْ يَصْحُوَ مارِدُها الثائر..
ما مِن امرأة سَتُفَكِّرُ في أن تُرَبِّيَ الصَّبْرَ وهي تَرى خُيولَها تَسقط في ساحة الرَّجُل، وأقصى ما سَيُفَكِّرُ فيه الرَّجُل حينها هو التخطيط لإعادة نفسه إلى دائرة ضوئها، لكنْ هَيْهَاتَ على المرأة أن يُطْفِئَ غليانَها اعتذار..
امبراطورية المرأة شعارُها الإصرار، الإصرار على الغرام، وفي أسوإ الأحوال لِيَكُن الإصرار على الانتقام. وهذا ما فعلتْه وَلادة وأكَّدَ لنا أنها لم تَغفر لابن زيدون خطيئَتَه..
لكن عن أيّ خطيئة نتحدث؟!
صحيح أن وَلاَّدة لم تَكن لِتُضْمِرَ صرخةَ عفاريت قلبِها الراغبة في رحيق زهرة الحُبّ التي لم يُفْلِحْ في قطفها سِوى بن زيدون، غير أن اختفاءه عن أنظارها لم يَشْفَعْ لتُنْصِتَ إلى مُبَرِّرات الغياب..
وَلادة كانت قبل ذلك تَحترق شوقا إلى خطاب منه وهي تَضَعُ أسلحةَ المرأة جانبا لتكتفي بالاستضاءة على وهج شمعة الانتظار:
«أَلاَ هَلْ لنا مِن بَعْدِ هذا التَّفَرُّقِ
سَبيل فَيَشْكُو كُلُّ صَبٍّ بما لَقي»
[ولادة بنت المستكفي].
لكن الانتظار سرعان ما تُوصِد المرأةُ بابَه، ولا تَسمح للرجُل بعد ذلك بأن يُفَسِّرَ لها غيابَه، ألم نَقُلْ إنَّ بن زيدون رَحَل؟! صحيح، إنه رحل، لكن وَلادة أَبَتْ إلاَّ أنْ تَقطع ما اتَّصَل، وخابَ المسكين في إنصاف قلبِه السجين..
هل كانت وَلادة لِتَكْتَرِثَ بِدَقَّات قلب بن زيدون بعد أن طَرَدَه بَطْشُ بن جهور الذي كان قد اسْتَوْزَرَه ثم اتَّهَمَه بميله إلى المعتضد بن عباد؟!
هل كانت وَلادة لتكترث بلُهَاث بن زيدون الهارب في اتجاه خِيام المعتضد بن عباد علَّه يَنْجُو بنفسه وبقلبه الشقي؟!
ولأن ولادة كانت امرأة جبارة، فقد تركَتْ مرة أخرى جانبا أَمْرَ بن زيدون الذي تَقَلَّدَ لاحقا منصب وزيرٍ في عهد المعتضد بن عباد، وكذلك ابنه المعتمد قَرَّبَه إليه، ومن ثمة انشغَلَتْ وَلادة بقصة حُبّ جديدة، مِن طرف واحد، بَطَلُها الوزير بن عبدوس الذي هامَ بها حُبّا وما أَحَبَّتْه هي..
كان مِن الصعب على رَجُل عاشق كابن زيدون أن يَقبل هذا القَدَر الذي سرق منه أضواءَ القلب، لذلك لم يَتَرَدَّدْ في النيل مِن ساكن قلبها الجديد بن عبدوس، ولذلك كتب بن زيدون إليه ساخرا منه على لسانها وكأنه يتنكر لنهايةِ حكايةِ حُبّ لم يَرَها عادلةً بما يكفي.
بقلم : د.سعاد درير

سعاد درير