كتاب وأراء

منذا يعيرني عيناً لأبكي؟

مبالغـة شـاعـر عاشـق، وأنا عاشـق مثله، ولكن عـشـقي أكبر وأعـظم، لأن مَن أحِبُّ أكبر وأعظم، ولم أعد أجد الدمع لأبكي:
الـلي مـضــيّــع مُـحِــبّ.. يمكن سـنة ويـنـسـاهْ
والـلي مـضـيّـع ذهــب.. بسـوق الذهـب يلقـاهْ
لكن الـلي مضيّع وطن.. ويـن الـوطن يـلـقـاهْ؟
ولا أجد دمعـاً لأبكي أجـمـل الأوطان: عــشــيَت عـيناي من طـول الـبُكا، وأكاد أقـول: عميت عيناي من طول البكا
للبكاء موجبات تجمعت كلها عـندنا: القهـر والثكل والـيتم والظلم والجوع والظمأ والضياع والانسحاق تحت حذاءٍ عسكري والخراب والدمار وهواننا على الناس، فإلى من تتركنا يا إلهي؟ إلى الذين يريدون أن تصير السوريات جواري وإماءً ومُلك يمين؟ ألا شلت أيمانهم. لشـعـوب عاشت تحت القمع والاضطهاد وذاقـت ما ذقـنا فصارت تضطهدنا وتبعـدنا؟ أم إلى الأخ والجار القريب ومدعي الصداقة يتشدق بمسؤولية المجتمع الدولي، ويرى بؤســنا وفـقرنا وذلـنا فـيمطرنا بالكلمات ليطمئننا، والبرد ينخر عظامنا ويقتل أطفالنا؟
لـماذا صار وطني كرة يلهـون بها؟ أقـيموا نظم الحكم التي تريدون في بلادكم وليس عـلى أرض وطني وبدماء أهلي. الطرق إلى الجنة كثيرة واضحة المسـالك، ألم تجدوا سوى قتل أبناء شـعبي طريـقاً؟ قاوموا ومانعوا..إن العدو هناك يحتل فلسـطين، هكذا حشـوتم أدمغـتنا عقوداً من الزمن، فـلـماذا ينام هانئاً آمناً وينام أطفال شـعـبي في العراء؟ والطـريق إلى الأقـصى واضحة، من قال إن عبورها لا يكون إلا بتدمير وطني وذبح أهلي؟
ليس من مات فاستراح بميْت.. هذا شهيد يذهب إلى الجنة، لكن ذاك الجائع الفقير المحروم المضطهد يموت في اليوم ألف مرة. الكلمات عاجـزة، والحروف مشـلولـة، والصورة بألف مقال، ألسـنا نتمزق ونغص بالـلقـمة والشـربة ونحن نرى أهـلنا؟ تبكي قـلوبنا ولا دمـوع.. كيف يمكن أن نهـنأ بعـيش ونحن نرى أطـفال الوطـن كتلاً من الـلحم المـمـزق أو المـتجمد برداً وجوعاً؟.. صارت مدن الوطن خرائب.. أشـجار الوطن دمرتها القذائف، أو قـطعها المحرومون لـيدفـؤوا بهـا..وطني صار لاجئاً شحاذاً يعـيش على الـصدقات والتبرعات
يا أهل الأرض.. كلكم كاذبون منافقون، وأرفض تعاطفكم ومشاعركم وما تتشدقون به عن حقوق الإنسـان، هذا كله هـراء وافـتراء وكذب وقـح. أيتها الكذبة المسماة المجتمع الدولي، أيتها الكذبة الأكبر المسماة الرأي العام العالمي، ألستم ترون؟ ماذا على المقهور المحروم الجائع المشرد أن يفعل لتتحركوا؟ هل صار القتيل بحاجة إلى إثبات أنه مظلوم؟ ألا يكفي دمه؟ كلهم مخطئون.. كلـنا مخطـئون.. وحده الوطن على حق. وسينهض كطائر الفينيق من تحت الرماد، ويمسحهم ويمسح كل ما لطخوا به وجهه الجميل.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين