كتاب وأراء

سوريا .. «مرض السيدة الأولى»

لم يحتج الأمر سوى لثلاثة أيام ليحدث التالي: رئاسة الجمهورية السورية تصدر بياناً رسمياً يتعلق بإصابة السيدة الأولى أسماء الأسد بمرض سرطان الثدي، ثم توزع على وكالات الأنباء المحلية والعالمية صوراً تظهر رئيس الجمهورية يرافق زوجته إلى المستشفى العسكري في دمشق لتلقي العلاج الكيميائي، ينتشر الخبر مثل النار في الهشيم لدى السوريين، المعارضون لحكم الأسد يسخرون من الأمر وبعضهم يشمت بمرضها لكونها وافقت زوجها على قتل وتهجير ملايين السوريين، بعضهم يعتبر أن لا شماتة في مرض، خطير كهذا تصاب فيه معظم النساء.
أما الموالون للرئيس السوري فقد رفعوا الصلوات والابتهالات والدعوات لشفائها، وفي اليوم الثاني لإعلان الخبر ظهرت أغنيات مصورة عنها لمطربين سوريين، بحيث لا يعرف أحد متى تمت كتابة الأغنية وتلحينها وتسجيلها وتصويرها وبثها، ولم يمض على إعلان الخبر أربع وعشرون ساعة!
أما في اليوم الثالث فيتم الإعلان أن السيدة الأولى بخير، وأن مرضها ليس من النوع الخطير ولا تحتاج إلى علاج كيميائي.
تشبه سوريالية الإعلان عن مرض السيدة الأولى وما حدث خلال ثلاثة أيام سوريالية الوضع السوري عموماً؛ إذ لا أحد يعرف لماذا تم الإعلان عن خبر كهذا، وهي سابقة في السياسة السورية، ولا أحد يعلم لماذا حدث كل ما حدث، مثلما لا أحد يعرف ماذا يحصل في سوريا، ولماذا يحدث كل ما يحدث، ومن يسير السياسة والعمليات العسكرية فيها، ومن يتخذ القرارات بالشأن الداخلي والخارجي، ومن يقسم ما تبقى من الكعكة السورية، ومن يسيطر على العصابات والميليشيات المحلية والمستوردة، ومن يحرك الاقتصاد المحلي، ومن يعقد المصالحات والمفاوضات داخلياً وخارجياً؟!
دائماً ثمة جهات تفعل كل ما سبق في سوريا، لا يعرف أحد إن كانت رئاسة الجمهورية منها، أم تكتفي بدور المنفذ للقرارات المتخذة من قبل الآخرين، بحيث ثمة انطباع تشكل خلال الأيام الماضية، أنه لفرط الفراغ الذي تعانيه الرئاسة السورية، بعد أن أصبحت سوريا وسياستها وقراراتها بيد الآخرين، فإن الرئاسة تتسلى بإعلان أخبار كخبر مرض السيدة الأولى بمرض خطير، ثم تعلن في اليوم الثالث أن المرض ليس خطيراً، هكذا تطمئن الرئاسة مواليها أنها مازالت موجودة، وتثبت لمعارضيها أنها مازالت شرعية!
بيد أن في الأمر شأناً آخر، فالسرعة التي تمت بها بث الأغنيات التي تتحدث عن السيدة الأولى ومرضها، تثبت أن الأمر قد تم الترتيب له مسبقاً، إذ لا تصدق سرعة إنتاج الأغنية، مهما كانت بالغة التفاهة، فهل المقصود هو إكمال الصورة التي يشتغل على تحسينها العالم للرئاسة السورية عبر حالة التعاطف التي يجذبها الإعلان عن مرض خطير كهذا؟ إذ بعد استعادة معظم سوريا وطلب بعودة اللاجئين والإعلان عن القضاء على (الإرهاب) في سوريا، وبعد الإعلان عن بدء إعادة إعمار سوريا المدمرة، يحتاج الريستيج الرئاسي السوري إلى حدث كبير يلم حوله المترددين، وهل هناك ما يجلب التعاطف أكثر من مرض سرطان الثدي، الذي أصيبت به أنجلينا جولي وأخريات مشهورات كثر؟! فالسيدة السورية الأولى هي سيدة شابة وأنيثة وتحمل جنسية أوروبية، ولم تغادر بلادها وتترك زوجها خلال سنوات الحرب، وظهرت معه في أكثر من صورة أثناء الحرب! هذه الصورة التي تم الاشتغال عليها خلال السنوات الماضية يلزمها لتكتمل تعاطفاً أكبر، لا باس من بروباغندا المرض الخطير إذاً، المرض الذي يصيب سيدات أنيقات ومشهورات حول العالم، علينا فقط أن نعرف بالتحديد من هو المخطط الأول لهذه البروباغندا المذهلة، وما الذي حدث حتى تم في اليوم الثالث الإعلان أن المرض ليس خطيراً وأن السيدة الأولى لا تحتاج علاجاً كيميائياً، على عكس الخبر والصورة المرافقة له قبل يومين، وهل تم الضغط على الرئاسة للتراجع عن الإعلان من قبل الجهات الغامضة التي تسير الشؤون السورية كلها؟! وهل ما حدث حدث ليتم التأكيد أنه لم يعد هناك أي قرار سوري حول أي شيء بما فيها الشؤون الشخصية كالمرض والإعلان عنه؟!
بقلم : رشا عمران

رشا عمران