كتاب وأراء

مدنٌ متميزةٌ

في إحصاءٍ أخير للعشر مدن التي تعتبر أهم المدن في العالم، وأكثرها قابليةً للعيش الكريم والحياة الهانئة، وفق معايير، أهمها: السلامة والأمن، وتوافر الخدمات الأساسية للفرد والمجموع، والبنى التحتية، إلخ..كانت ثلاث من مدن كندا ضمن هذه المدن المشار إليها، هي كالغاري في مقاطعة ألبيرتا، فانكوفر في مقاطعة بريتيش كولومبيا، تورونتو في مقاطعة أونتاريو.
ولأنني مقيمٌ في كندا منذ فترةٍ غير قصيرة، وأتيح لي أن أزور كثيراً من مدنها، فإنني أجزم بأن هناك مدناً أخرى لا تقل أهمية عن هذه المدن الثلاث الفائزة، هناك مثلاً كيبيك سيتي في مقاطعة كيبيك والعاصمة أوتاوة في مقاطعة أونتاريو، وهاليفاكس -حيث أقيم- في مقاطعة نوفاسكوشيا، فهي بإطلالتها على المحيط الأطلسي، وبريفها الجميل، وأمنها وأمانها وتوافر الخدمات الأساسية فيها، وبناها التحتية تعتبر مدينة مثالية، لكن بالنسبة للقياس قد يكون الفارق بسيطاً بين هذه المدن غير الفائزة والأخرى التي حظيت بالفوز.
إنما الذي يلفت النظر هو ما ورد في التقويم من أن العاصمة السورية دمشق وردت في ذيل المدن غير الآمنة للعيش الكريم وفق المعايير المرصودة، وتنتابني الدهشة الممزوجة بالألم والحسرة على ما آل إليه الوضع في حواضرنا العربية، ففي العام 1994، اعتبرت بغداد واسطنبول المدينتيْن الوحيدتيْن في الشرق الأوسط المتميزتين بالنظافة، ومعايير الأمن والسلام، وبقية المعايير التي تُحتَسب للمدن باعتبارها مدناً صالحةً للعيش الكريم، وأعرف حينئذٍ أن عز الشرق دمشق حاضرة الأمويين لم تكن تقل أمناً وكمالاً عن بغداد حاضرة العباسيين، وحين يطالعني التقرير الأخير بما آلت إليه الأوضاع في دمشق الشام لا أملك سوى الحسرة على زمنٍ تولّى!
بلداننا وحواضرنا في الوطن العربي بلدانٌ غانيةٌ، بمعنى أنها غنيةٌ بذاتها عن التجمل، فهي جميلةٌ بما تملكه من إرثٍ حضاريٍّ، وآثارٍ إنسانية، وشعبٍ يدرك ما هو غنيٌّ به، وليست كالمدن الجديدة في أنحاءٍ أخرى متفرقة في كوكبنا.
لا أمارس جلد الذات، فأقول: نحن مقصرون بحق بلداننا، ولكنني لا أملك سوى التساؤل: لمَ دخل حاضرنا المُعاش إلى هذا النفق غير الآمن؟ فحين يتم رصد أهم مائة جامعة في العالم، نجد أنفسنا محرومين من الذِّكر، وحين تُرصَد أهم المدن التي يُعتَبر العيش فيها كريماً للمواطن،لا نجد ذِكراً لأيٍّ من بلداننا، اللهمّ إلا ذكر ما كانت درة الماضي وعبقه في ذيل القائمة.
لا أشكُّ في إخلاص حكوماتنا وعملها الدؤوب على تحسين الأوضاع بالنسبة للسكان والعمران، فهو عملٌ وجهدٌ ملموسان وواضحان، وبقي أن تتضافر جهود المواطنين كذلك، والأهم من ذلك كله أن يقيَ الله بلداننا مما يحاك ضدها، فنحن - وبلا استثناء- نتعرض لمؤامرة محبوكة الخيوط، تستهدف كل ما هو جميلٌ في حياتنا.

بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل