كتاب وأراء

آفة العَوَز الأَخلاقِي

أجد في نفسي امتعاضًا من التعامل المباشر مع فقراء الخُلُق الذين انتشروا وبشكلٍ كبير في كل مكان، وأعلم أنّ النفس الإنسانية أمارة بالسوء وأنَّ الشيطان يجري بالنفس مجرى الدم إلا بمن رحم ربي، لكن تبقى كل هذه الأمور متعلقة بحدث عارض في الشخصية الإنسانية أو زلة ولدغة من لدغات النفس البشرية لذاتها، ومن ثمّ لا بد وأن يقوم الإنسان السليم صاحب العقل والقلب الرشيد بتقييم سلوكه ومراجعة نفسه ومن ثم نهرها عن الزلل على ألا يأتيه ثانية، وتلك أمارة التوبة الحقة؛ توبة عن الأفعال والأقوال غير اللائقة خاصة أن السلوك في الفعل والقول خُلقٌ ونَهجٌ وعلامةٌ دالةٌ على المرء تميزه عن غيره.
وإني أحدثكم عن هذا القانون الإنساني في الخطأ والصواب وأنا على استنكارٍ أن يكون الإنسان العاقل صاحب الخيار مُسَلما أمره إلى نزواته وأنانيته وعنجهيته، فتبات هذه الأوصاف علامته المميزة وشامته التي يستدل الناس بها عليه!
كلنا يعلم أنَّ الخُلق والأسلوب الحسن (اتيكيت الحياة) لا يُدَرّسان في مدارس أو جامعات، إنما يَكتسبهما الإنسان من محيطه الأول في بيته ومن ثم مجتمعه والمؤسسات التي تُنشئه لاحقًا، بحيث تُصبح جميع الإسقاطات التي يتلقاها المرء من هُنا وهناك عاملًا مساعدًا على تشكيل الحصيلة الأخلاقية لدى المرء وإن لم يكن ذلك شرطا لازمًا.
يقول الشيخ محمد الخضر حسين في مقالةٍ منشورة لهُ في مجلة (السعادة العظمى) الثقافية تحت عنوان (الأخلاق): «إنَّ للأخلاق ثلاث قوى متباينة: أحدها القوة الناطقة: وتسمى بالملكية، ثانيها القوة الشهوية: وتسمى بالبهيمية، ثالثها القوة الغضبية: وتسمى بالسبعية، فمتى كانت حركة النفس الناطقة معتدلة، وكان التفاتها دائماً إلى المعلومات الصحيحة- نشأت عنها فضيلة العلم، وتتبعها الحكمة. ومتى كانت حركة النفس البهيمية معتدلة بدخولها تحت سلطة القوة العاقلة، حدثت عنها فضيلة العفة، وتتبعها فضيلة السخاء. ومتى كانت حركة النفس الغضبية معتدلةً منقادةً إلى النفس العاقلة بحيث لا تهيج في غير حينها، ولا تحمي أكثر مما ينبغي لها - حدثت منها فضيلة الحلم، وتتبعها الشجاعة. ثم يحدث باجتماع هاتِه الفضائلِ الثلاثِ فضيلةٌ رابعةٌ هي كمالها وتمامها وهي العدالة، وهذه الأربع أصول، وماعداها متفرع عنها. ثم إن تلك الفضائل لا يمدح عليها صاحبها، ويتسمى بها إلا إذا تعدت إلى غيره، وانتشرت آثارها عند بني جنسه، وأما إذا اقتصر بها على نفسه فإنه تُصْرَفُ عنه أسماؤها، ولا يذكر بمسمياتها. فإذا لم يبسط الإنسان يده ببذل مال الله الذي آتاه في وجوه المصالح العامة، وخصص صرفه بمآربه الشخصية سمّي منافقًا، وإذا اقتصر بشجاعته على الذَّب عن حوزته دون أن يحمي ذمار المستجيرين أو يناضل على حقوق المستضعفين سمِّي أَنِفًا، وإذا لم يتجاوز علمه إلى غيره سمِّي متبصرًا».
قارئي الكريم، إن السلوكيات الأخلاقية وآدابها هي التي تُميز سُلوكَ الإنسان عن سلوك البهائم في تحقيق حاجاته الطبيعية، أو في علاقاته مع غيره من الكائنات الأخرى. فالآداب الأخلاقية في كُلِ المعاملات وقضاء الحاجات الإنسانية زينة الإنسان وحُليته.
إنَّهُ بقدر ما يتحلى بها الإنسان، يضفي على نفسه جمالًا وقيمةً إنسانية. فقد تضمن القرآن دستورًا للأخلاق والآداب في شمل حياة الإنسان، فلم يترك جانباً منها إلا وكان لهُ فيه توجيه وإرشاد. ومن هذه التوجيهات في مجال التربية الخُلقية للأولاد قول الله تعالى «يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ* يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ* وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ».
يُخبرنا التاريخ أنَّ سقوط كثيرٍ من الأمم والحضارات كان بسبب انهيار الأخلاق، واليوم لم يجيء عوزُ الكثير أخلاقيا إلا بسبب الأنانية والمادّية الصرفة! وقد سُئل أحد وزراء اليابان عن سر تقدم اليابان؟ فقال: «السر يرجع إلى تربيتنا الأخلاقية!».
قارئي العزيز إن صلاح الفرد وتهذيب نفسه بالأخلاق الإسلامية هو الطريق لصلاح المجتمعات واستقامتها على المنهج الإسلامي القويم. يقول الماوردي رحمه الله مشيرًا إلى أهمية التربية والتأديب: «أعلم أن النفس مجبولة على شيم مهملة، وأخلاق مرسلة، لا يستغني محمودها عن تأديب، ولا يكتفي بالمرضي منها عن التهذيب، أي أنه لا بد من التربية والتوجيه وتنمية الأخلاق الحسنة التي جُبِل عليها الطفل وتعميقها دون إهمال».

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي