كتاب وأراء

أضــواء الـقـلــب الـمـسـروقــة «2-2»


الحُبُّ إبادة إن كَفَرَ بك قلبُ وَلاَّدة، صَدِّقْ يا صديقي.. لكن هل كان هذا لسان حال ابن زيدون ما أن تَكَالَبَتْ عليه المتاعب والأهوال بعيدا عن نَاظِرَيْ امرأة تُعْجِزُ اليدَ عن القبض على قلبها؟!
إن ابن زيدون اسْتَخْلَصَ هذه العبرة مِن دروس في التعامل مع القلب، وقد كان مُواظِبا على أن يَتَعَلَّمَها على امتداد تجربته مع أميرة أندلسية لا يَصعب عليها التضحية.
في مدرسة الحُبّ وَاهِمٌ مَن يَشكّ في حِفظ الدرس عن ظَهر قلب. ولأن المرأةَ بطلةُ سباق التحدي، فإنها راهنت على انتشال قلبها قبل أن يَغمره البحرُ.
لكن ماذا عن تجربة السقوط في كذبة حُبّ بن عبدوس؟! كذبة كانت بمثابة الرغبة في تغيير قطعة الثوب بِأَمْرِ مِزاج وَلادة، ذلك المزاج الذي كان يُنَظِّمُ حركةَ مرور قدميها ويَقفز بالخطوة لِتَعْبُرَ الجسرَ قبل أن تَبلغه صاحبتُه.
ابن عبدوس شَكَّلَ بالنسبة لولادة خاتمَ الحظ الذي تُديره حول إصبعها بمهارة، فلن تَرضى المرأة بحال بأن تُجِيدَ الامتثال ما أن يَتعلق الأمرُ بكلمة القلب التي تَسقط ما أن يَلفظها الرَّجُلُ..
إنه ابن زيدون العاشق المعذَّب الذي انتصر في معركة الكلمة، لكنه لم يَعرف كيف يُعيد امرأةً إلى ميدان معركة العِشق لاستعراض عضلاتِ قلبه، تلك معركة العشق التي كَلَّفَتْهُ كثيرا وخسر، ومع ذلك لم يَجِد أمامَه إلا أن يُصَفِّقَ بعقله وقلبِه لقاهرته ومولاته تلك التي مَلكتْ زِمامَه.
أقسى خسارة تَجَرَّعَها ابن زيدون كانتْ فقدانه لِوَلاَّدَتِه التي فتحَت البابَ لِغَريمه ابن عبدوس حتى تُذِلَّ بن زيدون الْمُوله المفتون..
موقف الانتقام يَتجسد في حالة تجديد الغرام.. موقف الانتقام يُزَوِّدُ المرأةَ الراغبة فيه بقوة خارقة تَجعلها سَدّاً منيعا لا يَخترقه رمح ولا يُطيح به جرح.
وُعود ابن زيدون تَبَخَّرَتْ، لذلك كان مِن حُسن حَظّ وَلاَّدة أن استحضَرَتْ أَسْلِحَتَها الخَفِية لِتُقَاوِمَ الرَّجُلَ حالفةً أن تَصِير الجانيةَ لا الضحية.
لِنَقُلْ إن مِن أكبر الأسباب التي مَهَّدَتْ لإزاحة ابن زيدون عن طريق قلب ولادة هو شعورها بصرخة الكبرياء لما زعمَتْ، أو توهمت، أن ابن زيدون تَرَكَ الشمسَ بجلالة ضوئها الْمُقَدَّس وتَعَلَّقَتْ عيناه بشمعة:
«لو كُنتَ تُنْصِفُ في الهوى ما بيننا
لم تَهْوَ جاريتي ولم تَتَخَيَّرِ
وتَرَكْتَ غُصنا مُثْمِراً بجَماله
وجَنحتَ للغصن الذي لم يُثْمِرِ» [ولادة بنت المستكفي].
لم تكن الشمسُ امرأة أخرى غير ولادة بطبيعة الحال، لكن صدق يا صديقي أن ولادة هذه لن تَغفر لِرَجُلٍ خطيئةَ النزول بعينيه إلى مستوى جاريتها، ولذلك عابَتْ عليه تَغَزُّلَه بها وعاتبته، فالغيرةُ ما كانت لِتُبْطِلَ الانتقام.
وَلادة مُدْرِكَة لحجمها الحقيقي، فهي الأميرة الْمُطاع أمرُها والجميل قَدُّها والمضيء وجهها والساحر طرفُها.. لا معنى لوجود الرَّجُل إن لم يَنْحَنِ إعجابا بها، ولا معنى لوجود الشاعر إن لم يُرْكِع الحروفَ تَعَبُّداً لها ويَلْوِ عُنُقَ الكلمات الكافرة بجَمالِ أجمل الجميلات لِسانا وقلبا وقالَبا.
الرَّجُل كقُرص الشمس يَحضر ويَغيب، لكن المرأةَ الحديدية لا يُمكن لضربتها إلا أن تُصيب، وهو ما تَأَتَّى حقيقةً للشاعرة المستقلة التي تُقَدِّسُ الحرية.
وَلادة الشقية رَأَتْ في مؤسسة الحُبّ سجنا كبيرا، فما بالك بمؤسسة الزواج التي كانَتْ ستُجَمِّدُ أنفاسَها وتلجم لسانَها وقَدَمَيْها!
أليس لهذا آثَرَتْ هي أن تَنْأَى عَمَّا يَعمل به الناس لِتَتَفَرَّغ لتربية الإحساس؟!
الحرية في مرآة عَيْنَيْ ولادة شَكَّلَت الْمُعادِلَ لعبوة الأوكسجين ذاك الذي يَتدخل لتعويض الهواء الذي لا تَقْوَى على توفيره الرئتان، ولهذا كان لِوَلادة الحق في إعادة الاعتبار لموسم الأنوثة الخاضعة عند إخضاع الإنسان.
أَقُلْنا الخضوع؟!
نعم، إنه الخضوع، وامرأة كوَلادة نَتوقع أنها قد تَتَحَمَّلُ الظَّمَأَ والجوع على أن تُفَكِّرَ لِلَحظة في الخضوع.
مَن كان يُصَدِّق أن ولادة التي جَرى لسانها كالنهر وتَصَبَّبَتْ روحُها كالشلال وهي تَبُثُّ ابنَ زيدون ألم البعد والنوى سَتُصَيِّرُ نفسها خصما له هو الذي ما اخْتَصَمَ في حُبِّها قلبُه وعقلُه؟!
أَلَيْسَتْ هي مَن كانت تقول:
«تَمُرُّ الليالي لا أرى البَيْنَ يَنقضي
ولا الصبر مِن رقِّ التشوق معتقي
وقد كُنت أوقات التزاور في الشتا
أَبِيتُ على جمر من الشوق مُحْرِقِ» [ولادة بنت المستكفي]؟!
ألم يَكُنْ يَستحق هو أن يَقِفَ بين يَدَيْ طيفِها سائلا عنها الأنفاس وخيوطَ الإحساس أوانَ تَذَكُّرِه لِطِيبِ ذكراها وحُسْن ملقاها بين الحدائق والخمائل:
«يا روضة طالما أجنَتْ لواحظنا
وردا جلاه الصبا غضا ونسرينا
يا جنةَ الخلد أبدلنا بسدرتها
والكوثر العذب زقوما وغسلينا
دُومي على العهد، ما دمنا، محافظةً
فالحُرُّ مَن دان إنصافا كما دِينا
فما اسْتَعَضْنا خليلا منكِ يَحبسنا
ولا استفدنا حبيبا عنك يثنينا» [ابن زيدون]؟!
قسوةُ الزمن عَلَّمَت المرأةَ أن تَقف كجدار وتَصمد كالجبل ولا تَنحني.. لذلك اجتهدَتْ ولادة في أن تَتَقَوَّى بكل ضربة تَقودها إلى مشارف السقوط ولا تُرْدِيها.
لم تَسمحْ ولادة للزمن ولا لعادات العرب بأن تَجْلِدَها، لذلك هَربتْ مِن الباب الضَّيِّق، وتَمَرَّدَتْ وأَعْلَنَت العصيان، وكانت أول قاعدة تَثور عليها هي قاعدة الزواج لِتَرْفُضَ مَنْطِقَ التبعية، ومِن ثمة رَفَضَت الوصايةَ، وأولَت شِعرَها وحريتها كل العناية..
كانت ولادة فريدةَ زمنِها، ومباشرة بعد موت أبيها المستكفي أَقْسَمَتْ ألا تَنْكَسِرَ، وقَرَّرَتْ ألاَّ تَعْتَذِرَ.. بعد غياب سُلطة الأب ما عاد لرَجُل أن يَفرض عليها حُكما أو سلطة أو يُقَرِّرَ بشأن مصيرها.
لهذا تَزَوَّدَتْ ولادة بحكمة شياطين الشِّعر أولئك الذين أَسَرُّوا إليها بأن تُخَصِّصَ لهم مَعْبَداً تُقَبِّلُ فيه رُؤوسَهم وتَغرس فيه شجرَتَهم المعادِلَة لشجرة الحكمة التي يَأتي إليها العارفون لِيَتَيَمَّنُوا بثمارها.. كان المعبَدُ بيتَ أبيها.
اتخذت ولادة البيتَ صومعةً يَعْلُو فيها صوتُ الشعر والأدب، وصار له زُوار لا يَسَعُهُم الانتظار إلى أن تَطلع شمس النهار الثانية التي تَملك مفاتيحَ القلب وتُخَبِّئُ الأسرار، منها الحُبّ والغيرة، لكن دهاءَ القلب الأَمَّار بانتقام في مقدمة الأسرار التي لا تُفْشِيها امرأةٌ تَلْعَبُ بالنار ولا تَخسر عند الاختيار.
بقلم : د.سعاد درير

سعاد درير