كتاب وأراء

لـو كنـتُ علـى عرَفـات

لو كنت على عرفات لبكيت كثيراً، فرحاً أولاً، ثم على نفسي، واستغفاراً من ذنوب عظيمة، لكن لي أملاً بأن العزيز الرحيم سيغفرها، ولردَّدت مع أبي نواس بعد توبته:
يا رَبِّ إن عظُـُمَت ذُنوبي كثرةً
فـلقـد عـلِمتُ بأنَّ عفـوَكَ أعـظمُ
إن كان لا يـرجـوكَ إلّا مُحسِـنٌ
فبِمَن يَلوذُ ويَـسـتجـيـرُ المُجـرِمُ
أدعوكَ رَبِّ كما أمَرتَ تَضَرُّعاً
فـإذا رَدَدتَ يَدي فـمَن ذا يـرحَمُ
لو كنت على عرفات لبكيت نفسي، وهواني على الناس، أنا الذي كنت يُضرب المثل بعزتي وشموخي، وعندما تكالبت عليَّ شعوب الأرض تقطـِّع جسدي، لم أجد ناصراً ولا معيناً، باعوني كلاماً لا يسمن ولا يغني، وباعوني أنا نفسي في سوق النخاسة، وصرت سلعة في سوق مصالحهم، وأستعير من المتنبي أنني لا أجد ما أعلل به نفسي، فلا أهل ولا وطن ولا صديق ولا سكن.
لو كنت على عرفات لبكيت على أحوال الأمة، سمها عربية إن شئت أو إسلامية، يعرفون الطريق ولا يسلكونه، أمرهم ربهم فعصوه «واعتصموا بحبل الـلـه جميعاً ولا تفرقوا» يعرفون العدو ولم يُعدّوا له ما استطاعوا من قوة، لم يعد الأخ أخاً، بل صار عدواً منافقاً متربصاً بأخيه، فكيف سننتصر؟
لو كنت على عرفات لبكيت على الإسلام، دين الـلـه على الأرض، يتخذه بعض الذين يدعون الانتماء إليه عباءة يتسترون بها، وذريعة لارتكاب الجرائم، ويتلقف أعداؤه ما يفعلون، فيشيعون أنه دين القتل والتفجير، أو دين الإرهاب بمصطلحات العصر، متناسين عمْداً أنه دين المحبة والرحمة «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» ويدعي كل منهم أنه الوحيد الناجي، فكأن الـلـه سبحانه وتعالى قصر رحمته وهدايته عليه، ويقتل بعضهم بعضاً، ونسوا أن نبي الرحمة قال إن هدم الكعبة أهون على الـلـه من سفك دم مسلم، وأن من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض كأنما قتل الناس جميعاً.
لو كنت على عرفات لبكيت على الفقراء والجائعين، ولعلي أتحيز قليلاً فأخص المسلمين منهم، والمسلمون ليسوا فقراء، ومنهم أصحاب ملايين ومليارات، فهل يظنون أن الـلـه يرضى عنهم، وهم يرون إخوتهم جائعين محرومين من نقطة الدواء وشربة الماء ولقمة الغذاء، بينما يبطرون كما لم يفعل أحد من قبل؟
لو كنت على عرفات لبكيت أمّاً لا أعرفها ابتلع البحر ابنها وهو يحاول النجاة بنفسه مهاجراً لاجئاً إلى «بلاد الكفار» وبكيت أسراً تفرق أفرادها في بقاع الأرض، ولا أمل بأن يلتقوا، وأختاً تشتاق إلى رؤية أخيها، وقد كبر أبناؤها وهو لم يرهم، وشعوباً صار الفساد لا الصلاح أخلاقها، ولقلت: ارحمنا يا رب العالمين .
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين