كتاب وأراء

كــثيـرا مـا نـقـرأ «17»


نقرأ أحياناً «واحتفى الناس بالعيد» ولكننا نقرأ أيضاً «واحتفل الناس بالمناسبة احتفالاً عظيماً» فأيهما أصح: احتفى أم احتفل؟ وما أصل كل منهما؟
إذا أردت البحث عن «احتفى» في المعجم، فإن عليك الذهاب إلى الجذر «حفا» ومنه الحفا وأصله الحفاء، ويعني ألا يكون في القدم حذاء أو نعل، ويعني أيضاً رقة القدم والخُفّ والحافر، أي يكون في الإنسان والحيوان، ومنه أيضاً «حفِي» بالرجل: إذا بالغ في إكرامه، واحتفى به بالمعنى نفسه. ونعرف الحفاوة، ونقول: أنا به «حفيّ» أي بَرٌّ مبالغ في الإكرام. قال تعالى «سأستغفر لكَ ربي إنه كان بي حفيّاً» (47 سورة مريم) وقيل في التفسير: كان بي لطيفاً، وقال تعالى في سورة الأعراف (187): كأنك حفيٌّ عنها، وكان الحديث عن الساعة، وجاء في التفسير «كأن بينك وبينهم مودة، وكأنك صديق لهم» وقيل في التفسير أيضاً «كأنك عالم بها» ثم تلا ذلك الأمر «قل إنما علمها عند الله». من هذا نستنتج أن لا معنى لقولنا: احتفى الناس بالعيد أو بالمناسبة، بمعنى الاحتفال.
نأتي إلى «احتفل» ومنه الاحتفال، ومنه أيضاً «الحفْل» فنقول: حفل فني، والأصل أن «الحفـْل» اجتماع الماء في محفِله، أي في مجتمعه، ويقال: احتفل الوادي بالسيل: أي امتلأ، و«الحُفال» الجمع العظيم، ولكن «الحفـْل» بالمعنى نفسه، وحفل (بثلاث فتحات) القوم واحتفلوا: اجتمعوا واحتشدوا، والمحْفِل المجلس، و«محفِل» القوم مجتمعهم، ولا علاقة للحفل والاحتفال بإظهار الفرح أو الإنشاد أو ما شابه ذلك، لكن الاشتقاق معقول، فعندما يحتفل الناس بمناسبة ما يجتمعون، فإذا كانت مناسبة عيد مثلاً فإن احتفالهم يكون بإظهار الفرح والسرور بهذه المناسبة.
تمر بنا كثيراً كلمة «فلول» والحقيقة أننا لا نقرؤها إلا في الأخبار والمقالات السياسية، فنقرأ مثلاً: يقوم الجيش بمطاردة فلول المنهزمين، وسنرى بعد قليل أن هذا القول خطأ، وربما أوحى بأن «فلول» تعني شراذم، أي بقايا. ومن الواضح أنها جمع مثل جذور وهي جمع جذر، وبثور وهي جمع بثر أو بثرة، ولكن ما معنى فلول؟
الفلُّ في الأصل هو الثلم (بفتح الثاء وتشديد اللام) في حد السيف وغيره، قال النابغة الذبياني في مدح الغساسنة، وهو ما يسمى مدحاً بما يشبه الذم:
ولا عيبَ فيهن غير أن سيوفَهم
بهـنَّ فـُلـولٌ من قِـراع الكتائـبِ
والاشتقاق جميل، فإذا فللت السيف أي ثلمته وكسرته، فقد خرّبت حدّه، وكذلك إذا فللت المقاتل أو المقاتلين، فقد كسرتهم وهزمتهم. و«الفلّ» تطلق على الواحد والجمع، فهو رجل فلّ، وهو قوم فلّ أي منهزمون، ولكنها تجمع أيضاً على فلول وفِلال، وفلول أشهر.
في بلاد الشام (وربما في غيرها) يقولون «من كل بدّ» ويكون هذا في مجال التأكيد والتشديد أي يجب، ونقرأكثيراً «لا بُدّ من هذا» فقد يقول الطبيب: لا بد من إجراء العملية، ولكن التعبير معروف في اللغة العربية منذ القديم. قال الشاعر المخضرم عمرو بن كرب الزبيدي في جاهليته:
نـازلـتُ كبـشـَهـُــمُ ولـم
أرَ من نزال الكبش بـدّا
(المعجم: كبش القوم: رئيسهم وسيدهم وحاميهم، وكبش الكتيبة: قائدها)
فمن أين جاء هذا القول؟ وما أصله؟
هذا القول مأخوذ من التبديد أي التفريق، وبدَّد الشيءَ فتبدَّد أي فرّقه فتفرق، والبُدّ: الفراق، تقول: لا بدّ اليوم من فعل كذا، أي لا فراق منه، ولا بدّ منه: أي لا محالة.
من الكتب المهمة جداً في تراثنا الأدبي كتاب «طبقات فحول الشعراء» لمؤلفه محمد بن سلّام الجُمَحي، وقد حققه وشرحه العلامة العراقي محمود محمد شاكر. والحقيقة أن اسم الكتاب «طبقات الشعراء» فأضاف إليه العلامة لفظة الفحول، وأحسن صنعاً، لأن ابن سلّام صنف في كتابه 140 شاعراً، والشعراء العرب أضعاف أضعاف هذا العدد، وقال ابن سلّام: ففصلنا الشعراء من أهل الجاهلية والإسلام، فاقتصرنا على الفحول منهم. وساد هذا بعد ابن سلّام، فنجد العالم يمدح شاعراً فيقول إنه من الفحول، فمن أين جاء هذا؟
الفحل أولاً هو الذكر من كل حيوان، وقيل للنخل الذكر الذي يلقـّح به حوائل النخل: فحل، لكن علماء آخرين قالوا: لا يقال فحل إلا في ذي الروح، وهكذا تكون تسمية الشاعر بالفحل تمييزاً له عن الشعراء الآخرين، وجاء في تعريف هؤلاء «الفحول» أنهم من غلبوا بالهجاء من هاجاهم، وهذا غير صحيح بالمطلق، فلعل الشاعر لا يكون هجّاءاً، ولم يشتهر بالهجاء، مثل زهير بن أبي سُلمى والنابغة الذبياني وطرَفة بن العبد وعنترة، ومع ذلك عُدّوا من الفحول. وقالوا: الفحل كل من عارض شاعراً فغلب عليه، ومن هنا جاءت تسمية علقمة، لأنه كان أفضل من امرئ القيس في إحدى قصائده في وصف الحصان، والطريف في الأمر أن زوج امرئ القيس أم جندب كانت الحكم بينهما. بقي أن نذكر الفعل»استفحل» وكثيراً ما يرد في الأحاديث والأخبار، ومعناه تعاظم وتفاقم، كأن نقول: استفحل أمر العصابات الإجرامية.
الدّلع والدّلاعة والدلـّوعة والدلـّوع والمُتدلـِّع (المْدلـّع بالعامية) كلمات نسمعها كثيراً في أحاديثنا وأغانينا (لأم كلثوم أغنية قديمة باسم الدلاعة والخلاعة مذهبي، غفر الله لها ولنا) وقد نقرؤها بمعنى التغنُّج والتدلـُّل، لكن هذا كله غير صحيح، ولم ترد هذه الكلمات في أي من المعاجم، حتى ولا في «المعجم الوسيط» الصادر عن مجمع اللغة العربية في القاهرة، وقال الزبيدي في «تاج العروس» إن المدلـّع هو من نشأ في العز والنعمة، والاسم: الدلاعة، ويقول إن الكلمة مولدة، ولكن هذا يعني أنها معروفة منذ أيام الزبيدي في القرن الثامن عشر. ما ورد هو «الدلّ والدلال» وتدلـّل، وقد تدللت عليه، وامرأة ذات دلّ: أي ذات شكل تُدِلّ به (شايفة حالها) قال بشاربن برد في واحدة من أجمل قصائده:
وذات دلٍّ كأن البدرَ صـورتُهـا
باتت تغني عميد القلب سكرانا
وفي الخليج يقول لك أحدهم: آمر تدلـّل.
سيفاجئنا المعجم بمعنى كلمة «دلع» والمشتقات منها. دلع الرجل لسانه يدلعه دلـْعاً وأدلعه فاندلع: أخرجه. وهنا نتذكر أننا كثيراً ما نقرأ: اندلعت اشتباكات بين الدولتين أو الجيشين، ونقرأ أيضاً: واندلعت انتفاضة شملت المظاهرات والمسيرات، ونقرأ أيضاً: يبذل رجال الإطفاء جهوداً جارة للسيطرة على الحرائق التي اندلعت في الغابات، فما علاقة المعنى الأصلي للفعل «اندلع» بهذا؟ اندلع اللسان: خرج من الفم واسترخى وسقط على العنفقة (ما بين الذقن وطرف الشفة السفلى)، واندلع السيف من غمده: انسلّ دون أن يسلـَّه صاحبه، ومثله فعل «اندلق».
اندلق بطنه: استرخى وخرج متقدّماً (أصحاب الكروش المترهلة) واندلق السيل على القوم: هجم، وهذا يعني أن قول العامة «دلقه» قول فصيح، إذ يعبرون بهذا الفعل عمن يصب السائل دفعة واحدة.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين