كتاب وأراء

أقلام في مرآة الصورة

مِن عاداتي التي لا تَخْفَى عن غريب الأطوار أن أَفْتَحَ حسابي على الواتساب كلما خَلَوْتُ بنفسي لِأَعْرِفَ الحيَّ مِن الميت.. وتلك مناسبة لأعاين المشهَد الجديد لصورة مَن يُدْمِنُون تغييرَ صُوَرِهِم كما يُغَيِّرُون ملابسَ النوم..
تَأَمُّلِي لِصُوَر المجموعة المحظوظة برغبتي في أن أَحْتَفِظَ بحساباتها أَتَبَيَّنُ مِن خلاله أحوالَ أصحابها، مَنْ أَشْرَقَتْ له شمس أو غَابَتْ، مَن ابْتَسَمَ له الحَظُّ أو عبس في مُحَيَّاه وَجْهُ الأيام، مَنْ يُلازِم مَكْتَبَه أو يُجَدِّد الغوصَ في نهر الرغبة ببساط الربيع الْمُمْتَدّ بامتداد أسابيع عطلته..
الصورةُ فضاء شقي، يُدَغْدِغُ حاسَّةَ العين رغم الجمود الذي يُوهِم به، يُسَجِّل على هامش تَوْقِكَ إلى تَأَمُّلِه أكثر مِن تعليق بعد أنْ يَرْسُمَ قُبَالَتَكَ أكثر مِن علامة تَعَجُّب وأكثر مِن علامة استفهام.. وكُلَّمَا رَنَوْتَ إلى الصورة وَجَدْتَ علاماتها تُطارِدُكَ أنتَ الهارب مِن صَخَب الوجوه والألوان إلى مساحة مِن سريرك الذي لم يَعُدْ يُلَمْلِمُ شغفك بالإبحار مَهْمَا اتَّسَعَ السرير وأنتَ تُعيد تَرتيبَ فوضاكَ على ظهره مِن أشيائكَ الخاصة التي تُسَيِّجُ حُدودَ عبقريةِ وجودك مِنْ ألِف الاكتشاف إلى ياء الشهوة.. صَدِّقْ يا صديقي أنها شهوة المعرفة التي لا سماء لها تَكْفِيكَ..
تَعَوَّدْتُ على محاولة التَّعَرُّف إلى الآخَر مِن نافذة الصورة التي عَبْرَ أكثر مِن قراءة فيها أراني أَجْتَهِد في كَسْر إطارها الزُّجاجي للوقوف عند شيء مِن عالَم صاحبها. هذا التَّعَوُّد دَفَعَنِي إلى تجديد زيارة قائمة كُتَّاب «الوطن» رغبة في القبض على المعنى الهارِب لِقَلْب الصورة الْمُنْفَلِت مِن قالَبِه.. وكانت آخِر وقفة عِنْدَ العَيِّنَة الآتي ذِكرها..
مِن شُرْفَتِها المضيئة، نَتسلل إلى عالَم رشا عمران العامِر قلَمها وقلبها بالإيمان، إنه الإيمان بقضية بلدها، غاليتهم سوريا، وما أجمل أن يَتحلى الإنسانُ المسكون بِحُبِّ وَضْعِ الشيء في مكانه بِجُرْأَةِ بنت البَلَد، رشا، التي تَحرص كُلّ الحرص على إعلاء صوت القضية..
إذا نَظَرْتَ إلى مُحَيَّاها كما تَلْتَقِطُه الصورةُ، ستَجِده مُضيئا بعيدا عن فُرشاة مساحيق التجميل ووَقْع خُطُوات قَدَمَيْ الْمِكواة ودَكَّةِ أسنان فَمِ مُجَفِّفِ الشَّعر وما إلى ذلك من وسائل التسوية التي لن تَشُكَّ لِلحظةٍ في أنها تُغَيِّر الملامح وتُزَيِّف الهوية.. بدون كل ذاك، تُثْبِت لك رشا أنها امرأة مُتَحَضِّرَة، امرأة لا يَفوتُها جديد مِن أساليب الطَّمْس تحت غطاء التقليد..
لكن الجِدَّةَ تَكشفها أجندة الفكر الراقي والعالِم الذي لا يَسمح للقلم بأن يَلعبَ دورَ الْمُسالِم أو الـ«شاهِد ما شافش حاجة»..
بساطة الأسلوب والشكل تُضْمِرُ عقلا نَيِّرا ووعيا حاضرا بقوة.. هي امرأة حاضرة في ذاكرة الجَلْد حَرْفا، امرأة تَكشف وتُعَرِّي، تَخلط الأوراقَ عَمْداً لِتُعيدَ ترتيبَ حقيبةِ وَعْيِكَ قبل أن تُسافر إلى الحقيقة التي لن تُخفيها رموز أو يَحجبَها نظام.. لا يَسَعُكَ يا صديقي إلا أن تَحترم قلمَ رشا وتُثَمِّنَ وَعْيَ المرأة السورية العابرة لِقَارَّات سُؤال الهوية..
نُغادِرُ بُقعةَ ضوءِ رشا لِنَقْفِزَ إلى شُرفة عبدالعزيز محمد الخاطر كما تَعِدُنا بها الصورةُ. في صورته عينان تُخفيان أكثر مما تَقولان. قد تتصور لوهلة أن ثمة مسحةَ حزنٍ تتراءى كالسحابة التي تَلتهم خيوطَ الشمس تلك التي كادت تُشرق على الْمُحُيَّا لِتَأْكُلَ هي الأخرى شيئا مِن ابتسامة يَبخل بها صاحبها إلا عَمَّنْ طاب له مِن أَحِبَّة وظُرَفَاء.. الظُّرَفاء هؤلاء يَجد هو كُلَّ العناء في رحيلهم هُمْ رفاق الأمس الذين بدونهم لا معنى لِعَيْنِ القَمَر ولا لِفَمِ الشَّمس..
هذا الهدوء على مشارف الْمُحَيَّا، باعتباره الْمَدْخَل إلى شخصية الكاتب، هُدوء لا تَسبقه العاصفة. إنه هدوء، إلى مدى ما، هدوء يُفشي رغبةَ «الخاطر» في لجم مَدّ العاطفة، لماذا؟! حتى يُطْلِقَ العنان لصوت الوعي الرنّان الذي تُحَدِّثُنا عنه نوافذ الروح (عيناه) قبل أن يُهَرْوِلَ الحَرْفُ ليقول: «ها أنا ذا»، وهنا بيت القصيد..
فلا مجال لِنُنْكِرَ على «الخاطر» جمالَ خطوة قلمِه الذي يَكتب بأناقةٍ وبرُقِيّ وبحكمةِ مَنْ دَأَبَ على تذوق الحياة وأشيائها بِحِسّ الرَّجُل العارِف الذي لا تَخونُه الفلسفة.. رؤيتُه للأمور عميقة، وفَهْمُه للأشياء سَقْفُهُ عالٍ..
«الخاطر» ليس ممن يَكتبون رغبةً في ملء هامش.. هو يَكتب لِيُعَبِّرَ، يَنتقي كلماته بحكمة العالِم بالمفهوم والمصطلح قبل أن يُضيئَه بطريقته التي تَراها تُرَبِّيكَ على أخلاق الغوص في المعرفة واقتناص العبرة، لا دغدغة حَبْلِ الأفكار الْمُهَدَّد بالسقوط في غياب اللغة الراقية والفكرة البانية..
قلمُ «الخاطر» يُعَبِّر بِثِقَةٍ عن تَبَصُّر مختلف بأبجديات الكينونة وتأمل لمرايا الملموس والمجرد مِن مؤثثات حياة لا يُقْبِرُها صاحبُها مهما خِلْناها مدفونة في قاع النفس الْمُعادِل لها الوجود على امتداد ديناميتهما وحتى تحت سقف الدرجة الصفر.. ذاك سُمُوٌّ وتلك هِمَّةٌ يَلْتَقِطُهما القلَمُ ليَبْصم بصمتَه في لوحة العقل بِوَعْيٍ بَنَّاء..
بملامح تَتراقص بريئةً مَرة وتَتَنَبَّأُ أنتَ فيها مرة أخرى نبوءةَ مَن يَطبخ لِحُسَّادِه السّمَّ يَأْتِيكَ بصيص المعنى متدحرجا كالكُرة المنفلتة مِن قيد اللاَّفضاء، ومِن ثمة يَسْتَدْرِجُكَ إلى ما وراء أسوار عالَم محمد المري.. محمد هذا الذي وَقَفْنا عند بابه ووقفنا، لكنه لا يَترك البابَ مُغْلَقا ولا يَفتح الباب، محمد يُوارب الباب، ويقول لك: «تَصَفَّحْنِي وَمَنِّ نَفْسَكَ بِعَصِير كِتَاب»..
كلما تَقَدَّمْتَ زَحْفاً إلى عالَم المري اكتشفْتَ شيئا آخَر، غير أن الكاتِبَ نراه مؤخرا يَعِدُ بمواسم شعرية رُبَّمَا اسْتَلْهَمَ الصُّعودَ إلى جَنَاها مِنْ فرط سباحته في بحر التجربة الْمُرَّة كتابةً تَحرِق وإحساسا بالمأزِق..
في نظرة المري المتحسِّسَة للملموس مِن مُنْطَلق إعادة رُؤيته في مِرآة المحسوس ستَرَى يَقيناً طيفَ حِذائه الهارب مِن صَخَب مُدَرَّجات الملاعب صَوْبَ شجرة الحكمة المستمتِعة بتطويق أَذْرُع شمس التأمل تلك التي تَفتح نوافذَ اللسان لِيَتَسَلَّلَ إلى قَبْوِ الروح نَسيمُ الكلمةِ الشاعرة بِرَغْبَتِها في التَّحَرُّر مِنْ قميص اليَوْمِيّ وقُضْبَان الأَعْمِدَة..
هكذا ترى المري يَتَسَلَّق جَبَلَ العاطفة لِيَصِلَ في وقتٍ أَسْرع إلى القارئ ذاك الذي لا غرابة أن يُنْصِتَ باهتمام إلى عزف الذات الكاتبة على وتر العاطفة، اهتمام القارئ سيُعَادِل اهتمامَ المقبِل على رحلة تَأمُّل، والحال هذه..
وأنتَ تَقْتَطِعُ شيئا مِن كعكة القلب، لِتُوَزِّعَه على قُرَّائك، فإن الواحدَ منهم لا يُمكنه إلا أن يَتَلَذَّذَ بِطَعم الحلاوة مَهْمَا شابَها مِن مرارة، حلاوة القِراءة الناعمة مَهْمَا كالَت العِتاب لِمَنْ نَالُوا مِنْ أَواصِر الأحباب، ومرارة مُحْتَوَى الحياة حين تُملي عليها كلمتَها النَّكبات..
فاصِلُ التأمل، التأمل بتوقيع قلم محمد المري، مِنْ تحت مجهر الإحساس يَجْعَلك أقرب إلى الناس، ويَشُدُّ إليكَ انتباهَ الحواس..
أما عِنْدَ عَتَبَة صورة الكاتِب الشَّقِيّ أحمد علي، فستَسْتَوقفكَ شعلةُ ذكاء، ولا شك في أن شظاياها ستَتْرُك أَثَرَها على هامش عبوركَ.. هذه الشُّعلةُ تَرسم حدودَها ملامح وَجْه الـ«علي»، فإذا بكَ تَقرأ فيها ما تَنْسَى أنك قَرَأْتَه قبل حين.. ملامح الـ«علي» صَدِّق يا صديقي أنك ستَراها مراوِغة، مراوِغة كفُصول العمر، تَقول ولا تَقول، أو بالكاد ستَجِدها تَنفي ما تَقول، فالـ«العلي» كما يُخبرك حَرْفُه يقول لك إنه أَذْكَى مِن أن تَحصرَ أنتَ شخصيتَه في صورة..
فماذا عن خِطاب التَّهَكُّم والْقَوْلَبَة عندَ أحمد علي؟!
وماذا عن الرؤية المجهرية للعين، عينه، الأَمَّارة بِضَبْط مقاسات ما وراء السِّتار؟!
بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير