كتاب وأراء

أبعاد الأزمة التركية الأميركية وانعكاساتها الاقتصادية «1»

فتحت الأزمة المتفجرة في العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وتركيا نقاشا واسعا حول أبعاد هذه الأزمة وانعكاساتها على العلاقات بين البلدين اللذين يجمعهما تحالف استراتيجي، واستطرادا على العلاقات الدولية، لما لتركيا من موقع ودور هام في منطقة الشرق الأوسط التي تشكل موضع الصراع الدولي منذ قرون عديدة. فهذه المنطقة تتميز بموقع جغرافي هام يتوسط العالم وتشكل عقدة مواصلات دولية إلى جانب احتوائها على أكبر مخزون من ثروات العالم من النفط والغاز التي تغذي شريان الاقتصاد العالمي.
فتركيا لا تقل أهمية عن إيران من حيث الموقع مما يعطيها أهمية استثنائية في العلاقات الدولية، وخسارة أميركا تحالفها مع تركيا سوف يؤدي، إذا حصل، إلى زلزال مشابه لزلزال خسارة أميركا لإيران في أعقاب انتصار ثورتها الإسلامية على نظام الشاه. خصوصا وان تركيا تقع في نقطة تفصل بين أوروبا وآسيا. في خلال الحرب الباردة شكلت تركيا حليفا استراتيجيا هاما بالنسبة لأميركا وحلف الأطلسي في مواجهة الاتحاد السوفياتي وحظيت بدعم كبير من الدول الغربية في مقابل لعب دور متقدم في التصدي للنفوذ السوفياتي وشكلت ما سمي الجبهة الدفاعية الجنوبية عن المصالح الأوروبية الأطلسية في مواجهة السوفيات.
غير أن التوتر المستمر في العلاقات التركية الأميركية بدأ يطرح السؤال، أولا حول أسبابه، وثانيا بشأن ما إذا كان سيقود إلى إحداث تبدل جوهري في السياسة التركية يجعلها تغير في توجهاتها وتنتقل من موقع التحالف مع الغرب إلى التحالف مع الشرق تماشيا مع انتقال الثقل في الاقتصاد العالمي من الغرب إلى الشرق؟.
من يدقق في أسباب التوتر الحاصل في العلاقات التركية الأميركية يلحظ بأن هذا التوتر بدأ عشية الغزو الأميركي للعراق عندما رفضت تركيا السماح بجعل أراضيها منطلقا وممرا لاجتياح العراق، وتفاقم التوتر خلال الأزمة السورية ولازال على خلفية التحالف الأميركي مع البشمركة الكردية في شمال سورية، وتعاون تركيا مع روسيا وإيران في سورية، وازداد مع اقدام تركيا على عدم الالتزام بالعقوبات الأميركية على إيران وروسيا، وإقامتها علاقات اقتصادية وتجارية مع البلدين أخذت بالاتساع حتى أصبحت من العوامل المهمة في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في تركيا بالتوازي مع العلاقات الاقتصادية الهامة التي تربط تركيا مع الولايات المتحدة والدول الغربية.. على أن التوتر في العلاقات بلغ الذروة بعد عملية الانقلاب الفاشلة في تركيا في أواخر عام 2016 واعتقال القس الأميركي أندرو على خلفية ضلوعه في مساعدة الانقلابيين، وحماية أميركا للداعية عبدالله غولن، الذي تعتبره أنقرة الرأس المدبر للانقلاب. غير أن توقيت تصعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد تركيا عبر رفع الرسوم الجمركية على الواردات التركية من الحديد الصلب والألومنيوم في سياق الحرب التجارية التي بدأها ضد دول عديدة في العالم، بذريعة رفض تركيا إطلاق سراح القس الأميركي، شكل منعطفا جديدا في الأزمة بين البلدين.
في الشكل يبدو أن السبب في تصاعد التوتر هو رفض أنقرة الاستجابة لمطلب ترامب بإطلاق القس أندرو، لكن في الجوهر هناك أكثر من بعد أو سبب لهذا التصعيد من قبل ترامب ضد حليف استراتيجي:
• البعد الأول، داخلي، يسعى من خلاله ترامب إلى كسب تأييد شعبي عشية الانتخابات النصفية الأميركية، فهو يريد دغدغة عواطف الأميركيين لاسيما الطائفة التي ينتمي إليها القس أندرو عبر تبني الدعوة لإطلاق سراحه والحزم والتشدد ضد تركيا.
• البعد الثاني، مرتبط بسياسة ترامب الاقتصادية التي أعلن عنها واعتبرها أولوية الأولويات، وبنى عليها كل شعبيته وفوزه في الانتخابات، ألا وهي حماية الاقتصاد الأميركي من المنافسة الخارجية، ولهذا فإن رفعه للرسوم الجمركية على السلع التركية يندرج في سياق حربه التجارية التي أعلنها على الاتحاد الأوروبي والصين وكندا.. إلخ.
• البعد الثالث، ويكمن في أن ترامب يريد إخضاع تركيا وإجبارها على الالتزام بالاستراتيجية التي أعلن عنها لمحاصرة إيران عبر إحكام الحصار الاقتصادي عليها، لاسيما وأن الرئيس الأميركي يدرك جيدا أن تركيا من الدول المهمة في تقرير نجاح أو فشل هذه الاستراتيجية.
• البعد الرابع، إجبار تركيا على وقف صفقة شراء صواريخ اس 400 من روسيا، واستطرادا إلزامها بالعقوبات الأميركية التي فرضها على روسيا خصوصا وأن العلاقات التجارية بين تركيا وروسيا تشهد تطورا متزايدا حيث تجاوز التبادل التجاري بينهما عشرات المليارات من الدولارات، ومقدر له أن يتعدى عتبة الـ 100 مليار دولار، بعد توقيع جملة اتفاقيات اقتصادية وتجارية أهمها مد أنبوب سيل الغاز الروسي عبر تركيا وصولا إلى دول جنوب أوروبا التي ستزود بهذه المادة الحيوية، ومن المتوقع أن ينجز هذا المشروع في نهاية عام 2019، وتركيا ستكون من أهم المستفيدين من ذلك.
لقد أدى هذا التوتر في العلاقات التركية الأميركية إلى دفع الرئيس التركي أردوغان إلى اعتباره بمثابة حرب اقتصادية على تركيا هدفها فرض الاستسلام عليها في جميع المجالات وتحقيق ما لم تنجح في تحقيقه (أميركا) في محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016.
(يتبع)
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي