كتاب وأراء

السودان .. شفرة الخروج !

- 1 -
يقول أينشتاين: «الجنون هو أن تفعل نفس الشيء مرَّةً بعد أُخرى وتتوقَّع نتائج مُختلفة».
المعنى: لا يُمكننا حلُّ المُشكلات المُستعصية، إذا ظللنا نُفكِّر بنفس العقلية التي أوجدتها.
ولأينشتاين وجهة نظر غريبة بعض الشيء، في حل المُشكلات، فيقول: «إذا كان لديَّ ساعةٌ لحل مشكلة، سأقضي 55 دقيقة للتفكير في المشكلة، و5 دقائق للتفكير في حلها».
أما مقولته الأجمل: «لا يستطيع تحقيق المُستحيل إلا أولئك الذين يُؤمنون بما يراه الآخرون غير معقول».

- 2 -

لماذا لا نُلقي بعض الأثقال عن أنفسنا، ونُحرِّر تفكيرنا من الأفكار العنكبوتية القديمة.
معظم الإفادات التي يُدلي بها أهل الشأن الاقتصادي في السودان، لا تخرج عن نطاق الوصف والتشخيص فقط.
إفاداتٌ لا تُقدِّم مقترحاتٍ علاجية، ولا وصفاتِ حلول، ولا تُوقد شمعة أملٍ في آخر الطريق.
نعم، أغلب الدول في المنطقة تُعاني مما يعاني منه السودان من أزمات اقتصادية، تختلف من حيث الحدَّة من دولة لأُخرى.
لم يكن من المنطق أن تستمرَّ أوضاع السودان مُستقرَّة ورخيَّة، وأكثر من 80% من موارد النقد الأجنبي خرجت من الدورة الدموية للاقتصاد السوداني!
أخطأت الحكومة السودانية، حينما منحت الجنوب الانفصال - على صحن الصيني - مع كامل النفط دون مقابل، وبلا ترتيبات تحفظ للاقتصاد السوداني توازنه إلى سنوات، حتى يُوفِّر موارد بديلة، ولا يُصاب بشللٍ ارتعاشي.

- 3 -

الكوادر الاقتصادية عجزت عن التعامل مع الأوضاع الجديدة ما بعد انفصال الجنوب، بصورة تُقلِّلُ الضَّرَر وتحتوي المخاطر وتُحافظ على التوازن الاقتصادي للدَّولة.
حتى الخُطط والبرامج التي وُضِعَتْ (الثلاثي والخماسي)، باءت بفشل ذريع، على مستوى التنفيذ، وفي واقع التطبيق.

- 4 -

الحقيقة التي دعونا مراراً وتكراراً لمواجهتها، بكُلِّ قوة وشجاعة، هي أن الطاقم الاقتصادي الذي يُخطِّطُ للدَّولة ويُتابع مراحل التنفيذ، أثبت فشله في التعامل مع التحدِّيات الراهنة.
كادرٌ لا يملك حلولاً وليست لديه رؤى ذكية وفعَّالة لمُخاطبة المشكلات، ولا يملك إرادةً ناجزةً لإحداث إصلاح اقتصادي، يُوقف عجلة التدهور قبل الوصول إلى الهاوية.
الخيارُ الأفضل للحكومة السودانية، أن تستعين بالخبرات والكفاءات الوطنية، التي لها تجارب خارجية مُميَّزة في الدوائر الاقتصادية العالمية، ولا يُوجد ما يمنع من الاستعانة بخبرات أجنبية في القطاعات الاقتصادية المُهمَّة.

- 5 -

لم تنهض كثيرٌ من الدول إلا حينما استعانت بكودار من خارج منظومتها الوطنية، ودول الخليج أقرب مثال.
السودان ساهم بكوادره المُؤهَّلة ذات الكفاءة والإمكانيات المعرفية في النهضة الخليجية، والآن تغيَّر الحال.. نحن في حاجة لخبرات أجنبية، تُخطِّطُ وتُتابع التنفيذ، وتُقدِّم الاستشارات، حتى ننجح في الاستفادة من إمكانيَّاتنا الزاخرة بلا جدوى.
ما الذي يجعلنا نحتاج للخبرة الأجنبية في تدريب كرة القدم، ولا نحتاج إليها في الاقتصاد وهو الأهم؟!
لا بد من الاعتراف بحاجة السودان المُلحَّة لخبرات من خارج الفضاء المحلي.
ألم تَسْتَعِنْ بريطانيا بكُلِّ ما لديها من كفاءات مُتميِّزة، بخبرة مارك كارني الكندي لإدارة بنكها المركزي، وهو أوَّلُ أجنبيٍّ يتقلَّد منصبَ مدير البنك المركزي فيها بعد 318 عاماً منذ إنشائه؟
دعكَ من بريطانيا المُتقدِّمة، في الكونغو وأوغندا أُوكلت إدارة مرافق اقتصادية مُهمَّة لهنود وبلجيكيِّين، وفي كينيا أصبح الهنود وزراء.
لا نُطالب بأجنبيٍّ لإدارة البنك المركزي في السودان؛ ولكن لماذا لا يكون محافظ بنك السودان واحداً من الكفاءات السودانية - غير الحزبية - المُوجودة في المؤسسات الاقتصادية العالمية، ولها الرغبة والمقدرة على خدمة الوطن، أو أن يستعين المُحافظ الجديد بخبرات استشارية أجنبية؟!
نحن في حاجة للتعامل مع السودان كشركة مساهمة عامة هدفها تحقيق الربح.

-أخيراً-

كلما ضاق الوضع، وصعب الحال، لا خيار سوى أن تتَّسع الرؤية بالتفكير خارج الصندوق القديم.
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال