كتاب وأراء

عن حق الدفاع الباطل عن النفس

عودتنا إدارة أميركية تلو أخرى على الانحياز السافر لإسرائيل. في كل مرة انفجر فيها عنف داخل الأراضي المحتلة لم تر واشنطن إلا «حق» إسرائيل «الشرعي» في الدفاع عن النفس مع أن الحق، بالذات في السياسة الدولية، وجهة نظر ومسألة نسبية. قد تكون ممارسته شرعية من منظور البعض وباطلة تماماً لدى البعض الآخر. ولا يعتبر أي خطاب سياسي أميركي دافع عن «حق» إسرائيل «الشرعي» في الدفاع عن النفس بحكم تلك النسبية وحدها خطاباً أخلاقياً أو موضوعياً لأنه لا يستوعب أن كلمة حق كثيراً ما يراد بها باطل.
فالخطاب الأميركي لا يهتم بتاريخ القضية الفلسطينية ولا بمن تسبب في تفجير الصراع ولا ينظر إلى فجوة القوة بين الفلسطينيين والإسرائيليين ولا إلى الفارق الهائل بين أحاد القتلى الإسرائيليين وآلاف الضحايا من الفلسطينيين. منذ 1948 وإلى اليوم والخطاب السياسي الأميركي يرى بعين واحدة. يتكلم باستمرار عن «حق» إسرائيل في الدفاع «الشرعي» عن النفس مع أنه لا توجد بينه وبين الحق صلة لأن الحق الذي يُعطى كاملاً ودائماً لطرف واحد في صراع تاريخي اجتماعي ممتد ومعقد لا يكون غالباً إلا جزء من عنجهية القوة التي تُخيل لصاحبها أن باطله حق وظلمه مشروع.
ويعتبر الخطاب الأميركي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية بالتحديد آخر حلقة في سلسلة خطابات القوى الإمبراطورية التي رأت في سياسات بلدانها الحق وفي تصرفات وكلائها وحلفائها دفاعاً مشروعاً لا يدانيه باطل. بريطانيا مثلاً أعطت قواتها في الهند صلاحية التصرف المطلقة ضد احتجاجات الهنود على احتلال بلدهم واعتبرت قتل الآلاف منهم حقاً مشروعاً في الدفاع عن النفس. وهو نفس ما ساقته فرنسا في الجزائر وايطاليا في ليبيا وهولندا في اندونيسيا وإسبانيا في الفلبين وأميركا اللاتينية إلى أن تبين للعالم بأسره أن الاستعمار لم يكن إلا باطلاً في باطل.
وأي تعايش مع «الباطل» على أنه «حق» ليس تعايش اختيار وإنما تعايش اضطرار. وهذا هو حال الفلسطينيين مع إصرار واشنطن على تمتع إسرائيل الكامل بحق الدفاع الشرعي عن نفسها. يعرفون أنه تسخيف لفكرة الحق وتشويه لفكرة الدفاع الشرعي ذاتها. فالدفاع الشرعي عن النفس يجب أن يكون عن أرض متعارف عليها فيما لا تملك إسرائيل حدوداً نهائية بعد. كما أنه يجب أن يكون للذود عن النفس ضد اعتداء سافر وليس للتوسع على حساب الآخرين. واشنطن لا تهتم بذلك وإنما تتبنى مبررات إسرائيل العدوانية وتذهب خطوات بعيدة لتجملها عبر الدبلوماسية والإعلام بكلمات لها طلاوة في قاموس السياسة الدولية أبرزها حق الدفاع الشرعي عن النفس مع أنه تحول بسبب تراكم فائض الظلم على الفلسطينيين إلى حق يراد به باطل.
ومن بين أسوأ ما جرى أن تحول حق الدفاع عن النفس إلى صيحة إقليمية. ظهرت تطبيقات جديدة باطلة باسمه قد لا تكون بنفس جموح وتهور الممارسات الإسرائيلية إلا أن لها أيضاً خطورتها وتداعياتها. فباسم هذا الحق وقع الباطل أكثر من مرة على شكل غزو وحصار وطرد وتشتيت. فتحت ذريعة حق الدفاع الشرعي عن النفس غزا صدام حسين الكويت، وتدخلت السعودية والإمارات في اليمن وحاصرتا قطر، وتدخلت كل من إيران وتركيا في سوريا.
ولو استمر تبرير التدخل في شؤون الآخرين لفرض بديلاً بعينه عليهم بذريعة حق الدفاع الشرعي عن النفس لاتسعت رقعة الفوضى بما يزيد على قدرة المنطقة على استيعابها. وهو ما يوجب الحذر عند التعامل مع مصطلح حق الدفاع الشرعي عن النفس وأن يُعامل بنفس الحيطة التي يجب أن يُعامل بها مصطلح الإرهاب. فالكلمتان زاد استعملاهما كثيراً كمبررات تخفي وراءها دوافع مقلقة، كما توجد بين استعمالهما علاقة. فلم تزد الشكوى من انتشار الإرهاب إلا وتبعها تأكيد على حق الدفاع الشرعي عن النفس تلتهما تصرفات أحادية أخلت بالاستقرار ونشرت العداوات. ولم يقتصر التطبيق المغلوط لحق الدفاع الشرعي عن النفس كذلك على البيئتين الدولية والإقليمية وإنما امتد إلى البيئة الداخلية في عدد من الدول التي بات قمع المعارضين والمنتقدين وحتى المعبرين يتم فيها بداعي حق الدفاع الشرعي عن النفس وانفاذ حكم القانون.
لكل هذه الاعتبارات اتسعت رقعة الفوضى وباتت عبارات تبدو منطقية في منشئها لا تساوي شيئاً في تطبيقها عندما تُستعمل في التغطية على أخطاء وشرور ونوايا بغيضة وخطط خطيرة. فليس كل دفاع عن النفس شرعي بالضرورة ولا هو مسألة حق يصور نفسه على أنه يحارب باطلاً. فكم من حق عبر التاريخ أريد به باطلا. وليست التطبيقات المشوهة المتزايدة محلياً وإقليمياً ودولياً لحق الدفاع الشرعي عن النفس إلا مثالاً لذلك.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات