كتاب وأراء

بداية من حيث انتهى روائيون

كنت اتهم نفسي بالجنون لو أنني بدأت أنشر، وأنا بهذا العمر الرذيل، ولو عدد محدود جدا من رواياتي، ففي القول الشعبي المأثور يصفون من هو في مثل حالي بالقول: «بعد ما شاب أدخلوه الكتاب»، فالطاعنون في العمر مثلي انتهوا من قول كل ما كانوا يودون ان يقولوه، وبعضهم توارى والبعض الآخر واراه الثرى، ثم ان العبقرية ان تكتب وانت في ريعان الشباب لينضح من قلمك نضج مبكر يعد القراء بموضوع روائي جديد ومبدع، وربما فريد، وبوقت ممتع، وليست العبقرية أن تبدأ النشر وأنت في خريف العمر، فما يبقى من الأخير ليس طويلا.
غير أن صديقا روائيا شابا أطلعته على إحدى رواياتي لثقتي فيه، اذ انني عرفته مقلا في الكلام ويتأبط صمته دائما، وعرف بصدق القول وشفافية الرأي، كان له رأي آخر، فهو يقول لي، انك ستكون ظاهرة غير مسبوقة، اذ كيف لك ان تخزن كل هذا النتاج الروائي، وتصبر على ذلك كل هذا الوقت، لتبدأ النشر وأنت على عتبة هذا العمر الطاعن، ثم يهزر هذا الصديق على غير طبعه قائلا: ربما ان النشر والكتابة تفتح شهيتك على الحياة فتمد في عمرك سنوات إضافية.
وللأسف الشديد شبهني هذا الصديق بأنني أشبه بالاثرياء الطاعنين في السن الذين يضعون ثرواتهم تحت البلاطة إلى ان يتوفاهم الله، ليكتشف الناس بعد رحيلهم أنهم لم يكونوا فقراء كما كانوا يتمسحون في الفقر، وأنهم خزنوا المال دون ان يتمتعوا به في حياتهم.
«انشر رواياتك يا رجل وعش حياتك»، هكذا يقول بانفعال محفزا على مغامرة محفوفة بالافلاس في هذا الزمن الذي ترتفع فيه أسعار كل شيء، بما في ذلك أسعار الطباعة والنشر، ويضيف صديقي هذا: ثق ان أحدا لن ينشر لك ما كتبته بعد وفاتك، بل ستكون قد اخترت لهذه الكتابات مقبرة أزلية مطمورة لا يعرف عنها احد شيئا.
كما تساءل هذا الصديق: بخلاف رعب التكلفة الذي تحسب له الحسابات.. لماذا انت تؤجل نشرك لرواياتك، ثم أردف في اسئلته المدببة: هل تنتظر زمنا يسمح بقول ما لا يحتمله زمننا الراهن، أو ما هي أسبابك؟
لم أجب اسئلته، وقلدته في ردود افعاله الصامتة الباردة الهاربة من الحقيقة.
لا أتجاهل ان اسئلة صديقي حفزت ساكنا، ودعتني إلى أفكار، منها مثلا تحويل احد هذه الاعمال الروائية إلى سيناريو تليفزيوني متعدد الحلقات، في زمن يشكو فيه منتجون وفنانون من الافتقاد إلى ما يسمونه «الورق الجيد»، ففي زمننا الراهن زاد العزوف عن القراءة لصالح المشاهدة التليفزيونية
قلت في نفسي: الله يجعل روايتنا خفيفة على الناس، وعلى كاتبها ايضا، فلا يصاب باكتئاب شديد بعد النشر والتلفزة، كما أصاب هذا المرض المتفشي بهذا العصر مشاهير من الروائيين والفنانين.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي