كتاب وأراء

ترامب باق .. ماذا عن أميركا ؟

كثر الجدل في شأن مستقبل دونالد ترامب، واحتمالات عزله من الرئاسة، بعد تضييق السلطات القضائية الخيارات المتاحة أمامه لتورطه بالفساد وانتهاك القوانين الأخلاقية، ذات الطابع الجنسي خصوصاً.. وعزز هذه التكهنات السلبية تحذيره بنفسه السلطات من «مغبة» اتخاذ إجراء كهذا كي لا ينعكس إفلاساً مالياً لمجمل الاقتصاد الأميركي.
القرار النهائي في شأن العزل من عدمه يعود لمجلسي الكونغرس: تبني مجلس النواب بغالبية بسيطة (50+1) الدعوة للعزل ورفع توصية بها لمجلس الشيوخ، الذي إن وافق على النظر بها فيحتاج لغالبية ثلثي الأعضاء (67) للبت فيها. في ظل التوازنات الراهنة، غالبية المجلسين هي من الجمهوريين، فمن المستبعد أن يقدم الحزب على تسجيل سابقة قانونية بأن رئيس البلاد المنتمي له يقف مهدداً بإجراءات العزل، فضلاً عن عدم التيقن من توافر الأصوات المطلوبة للمضي بذلك.
لو ذهبنا بعيداً في الافتراض فإن المنصب الرئاسي سيعود تلقائياً إلى نائبه مايكل بينس، بعد تكليفه رسمياً بذلك من الكونغرس.. هنا لا تختلف الرؤى حول توجهات بينس السياسية والفكرية، فهو شعبوي يميني مثل ترامب أو أشد.. وينفذ أجندة التطرف والتعصب ضد كافة الشرائح الاجتماعية التي لا تجمعه بها قواسم مشتركة.
من بين الخيارات الأخرى المتوافرة، نظرياً على الأقل، ما يعتبره البعض «خيار نيكسون،»، أي تقديم الرئيس استقالته طوعياً.. بيد أن التداعيات السياسية آنذاك على الحزب الجمهوري كانت بمثابة إعصار ضرب بنيته وهز سمعته جراء تضافر قيادات الحزبين بمطالبة نيكسون بالاستقالة.
والخيار الأخير، نظرياً، هو العمل خارج الأطر الدستورية باللجوء إلى الشارع لإسقاط ترامب، وهو خيار مستبعد في أغلب الأحوال، نظراً إلى التداعيات المرافقة له وفي مقدمتها فقدان السلطات زمام التحكم بالأمور، فضلاً عن الدور المناط بقوى الأمن التي لم يجرِ امتحان ولائها ضد ركن محوري من أركان السلطة من قبل.
أمام تلك اللوحة من الفرضيات والخيارات من المستبعد جداً تجاوب الرئيس ترامب مع دعوات الفريق الآخر له بتقديم استقالته، أو نجاح الفريق المناوئ له في النيل منه قبل الانتخابات.. فالقوانين الأميركية والسوابق المتعلقة بمحاكمة الرئيس أو اتهامه، تجعل صعباً ترجيح محاكمة ترامب، أو حتى توجيه اتهام فيدرالي له، على الأقل في أثناء ولايته الرئاسية.. بينما تذهب أغلب التوقعات إلى أنه سيتعرّض للمحاكمة، أو يتم توجيه اتهامات له بانتهاك القوانين الأميركية الخاصة بنزاهة الانتخابات الرئاسية، بعد خروجه من البيت الأبيض.
خلاصة الأمر أن الرئيس ترامب باقٍ في منصبه لأجل قريب، على أقل تقدير.. ويرجح البعض بقاءه في منصبه لحين جولة الانتخابات الرئاسية المقبلة 2020، وحظوظه في الفوز مرة أخرى لا زالت واردة بحكم تماسك كتلته الانتخابية مقابل تشظي وانقسام وتردد المعسكر المناوئ له.
لكن بقاء الرئيس في منصبه لا يعني أبدا أن النظام السياسي الأميركي سينجو من التداعيات، خصوصاً أن التهم التي تلاحق الجمهوريين اليوم تقترب من الخيانة العظمى، فالتعامل مع جهات خارجية ولاسيما روسيا ضد مصالح الولايات المتحدة، وليس مجرد تجسّس داخلي، كما كان الأمر خلال فضيحة «ووتر غيت» التي أدّت إلى عزل نيكسون، في سبعينيات القرن الماضي.
تعيش الولايات المتحدة اليوم، وستعيش فترة على وقع ارتدادات هذه المعطيات، والتي ستكون لها انعكاسات أساسية على مكانة الإمبراطورية الأميركية، لنكون أمام سيرورة تكوّن نظاماً دولياً جديداً، عنوانه «نهاية التفرد الأميركي»، غير أن ملامحه النهائية لم تتّضح بعد.
بقلم : أمين قمورية

امين قمورية