كتاب وأراء

تَشَظِي الواقِع الدِينِي اليَهودِي (1–2)

تحتل الدِيانَة اليَهُودِيَة مُنذُ القِدَم مَكانَةً بارِزةً وَمُهِمَةً فِي تَارِيخ الأَديان، فَهِيَ تُعتبَر مِن أقدَم الدِيانًات التَوحِيدِيَّة التِي عَرَفَتها البَشريَّة، والتِي كانَ لها دورٌ كبيرٌ في فهم دِياناتِ الشَرقِ الأدنى القَديم، بالإضافَة إلى أهميتها في فَهمِ التاريخِ اليَهودي، ومعرِفة الحَركة الصُهيونيَّة الجديدَة بشكلٍ أعمق، وأهميتها الخاصة من أجل فهمٍ معمق لمشكلةِ الإسرائيليات، والتي ظهرت في بعضِ كُتبِ التفسيرِ والتاريخ الإسلامي، أضف إلى ذلك العَلاقة الدينية القوية لليهودية بِكلٍ من الإسلام والمسيحية.
وبالرغمِ من تشظي الواقع الديني اليهودي عبر التاريخ فإننا نُسَلِم أنَّ اليهودية تعدُ من الديانات التوحيدية التي اشتملت على مجموعة من الدعوات النبوية التي جاء بها أنبياء بني إسرائيل والذين رَكزّوا جَميعا في دعوتهم على (التوحيد) عقيدةً أساسية، كما ورَكزوا على تخليص اليَهودية من التَأثيرات الوثنية التي طرأت عليها نتيجة اتصال اليَهود بعددٍ كبيرٍ مِن مُعتنقي الوثنية خاصةً الكنعانيين والمصريين القدامى والآراميين والفُرس والرُومان وشُعوب بِلاد النَهرين وغَيرهم.
إنَّهُ مِما لا شَكَ فَيه أنّ التَطور الديني للدِيانة اليَهُودِية استمر مُنذُ السبي البابلي حتى دعوة عيسى عليه السلام التي نادت إلى إصلاح اليهودية بعد أن تمّ تحويلها إلى ديانة خاصة بفعل المؤثرات القومية والوثنية التي خضعت لها اليهودية في تاريخها، بل أنّ التطور اشتد بعدَ مُرور اليَهود أنفسَهم بأزماتٍ كثيرة عبرَ التاريخ، أدَّت فِيما أدَّت إليه إلى حُدوث تَغيرات وتَحولات دينيةٍ عميقةٍ انتهت إلى تحول الديانة اليهودية إلى ديانة قومية خاصة.
إنّ النفي الذي تعرض له اليهود على يد الآشوريين في القرن الثامن قبل الميلاد، والبابليين في القرن السادس قبل الميلاد، والشتات الروماني سنة سبعين ميلادية تسبب بشكلٍ مباشر في ظاهرة (الدِيسابُورا) أو الشَتات اليَهُودِي والذي على إِثرِه تَكوَنَت الكَثير مِن الطَوائف والجاليات اليهودية التي تحلّقًت حول الدين واعتبرته العامل الأساسي إن لم يكن الوحيد في توحيدها، وأصبح الدين على ذلك وسيلة اليهود في مُقاومة اليونان والرومان في ضوء تشتتهم الواقعي في كل مكان، الأمر الذي ساهم في إحداث تَغيرات عميقة في كُنه الديانة اليهودية.
وعليهِ فإنَّ اليَهودية تَحولَت شَيئًا فَشَيئًا إلى أداة قَوميَّة وسِياسيَّة لِمواجهَة أعداء اليَهود على المُستوى الدِيني والسِياسي، وهو ما حوّلَ الديانة اليهودية لتصبح ديانة حصرية وخاصة ببني إسرائيل.
كما أنّ الأوضاع السياسية لليهود خلال السبي ساعدتهم كثيراً على تبني الاعتقاد في المخلص (تطور فكرة المَسيحَانِية) الذي نسَبُوهُ إِلى بَيتِ داودَ عَليهِ السَلام، وبِطبيعَة الحَال أَكسَبُوه مُواصفاتٍ أسطوريَّةٍ بُطوليَّةٍ، جاعِلين وَظيفته جَمع شتاتِهم، وتَحقيق الخَلاص لِبني إسرائيل مِن أعدائِهم في نِهاية المَطاف. وقد زادُوا على ذلِك بِحيث أن وَضَعُوا لِقدومِهِ شَروطاً مُحدَدَة، وعليه تَحوَلَت فكرة المُخَلِص إِلى مُعتَقَد دِينيّ أَسَاسِي فِي اليَهُودِيَّة مِن بَعد السَبي البَابِلي.
إنّ الخُصوصية الدينية لليَهَودية تمّ تدعِيمها عَبرَ الزَمن بِمعتقدات تَوراتِية تمَّ تَحريفُها، لِتُكَرِس هذا الاتجاه القَومي، ومِن ضِمن تِلك المُعتقدات المُحرّفَة: عَقيدة الاختيار الإلهي لبَني إسرائيل، وعَقيدة تَوريث الأرض المُقدسة لسَيدنا إبراهيم عليهِ السَلام، وفِكرة العَهد الخاص المَقطُوع بينَ إله إسرائيل وجَماعة بَني إسرائيل (قًوميًا وعِرقيًا وعُنصريًا)، حيثُ تمَّ تخصيص الإله وجعلهِ خاصاً ببني إسرائيل، الأمر الذي وَلَّدَ الكثير مِن مشاعر الكَراهية والمُعاداة والحِقد بينَ اليَهود وبين غيرِهم مِن الأقوام. وعليهِ خَضعت الأخلاق كذلك للرؤية العُنصريَة التِي انتشرت في الديانَةِ اليَهودِيَة إلى أن حَوّلَتها فِي النِهاية إلى ديانة عُنصريةٍ صِرفة خالية تماماً من الاتجاه العالمي.
ولقد كانَت الأزمات التاريخية المُتواترة التي مَرَت باليَهُود عُنصرًا مُساعدًا فِي دَعم هذا الاتجاه الخاص باليَهودية، والذي أدّى إلى مَنع اليَهود مِن الدَعوة والتَبليغ، ونتيجة لذلك وقعوا فِي براثِن الشِرك والوَثنية مِن خِلال اعترافهم بِوجودِ آلهةٍ أخرى للأُمم الأُخرى، ووُجودِ إِلهٍ حَصريٍ خاصٍ بِهم.
وقُبيلَ بُزوغِ فَجرِ المَسيحيَّةِ أَصابَ اليَهُودِيَّة جُمودٌ دِينيٌ وتَشريعِيٌ كانَ نِتاجًا مُباشِرًا لِلقَوميَّة والخُصوصيَّة التِي صُبغت بِها، أضِف إِلى ذلِكَ تَراكُم التُراث اليَهُودِي عَبرَ الزَمن وعَدَم تَطورُ رُؤى دِينية ذاتَ نَزعة ناقِدة لهَذا التُراث لتَقوم بِالتَخلُص مِن الرَواسِب التِي علقَت بِاليَهُودِيَة مِن أَفكارٍ أُسطُوريَّةٍ مُبالَغٍ فِيها، وَقَد كان لغياب هذه النزعة الناقدة سَببًا فِي عدَم مُحاولتِهِم تَنظيم تُراثهم أو حَتى جَعلهِ مَفهُوماً فِي إطار نِظام دِيني مُتماسك وَوَاضِح. وقد أَسرَفَ اليَهُودُ كَثيرًا فِي استخلاص التَشرِيعات مِن هذا التُراث المُتراكم (غيرِ المُحدَّث والمُنَظم) فَغَرقت اليَهودية غَرقًا شَديدًا فِي بحرٍ لُجي مُتلاطِم مَليء بِالتَشريعات والأحكام المُتناقضة فِيما بينِها، والتِي أدَّت إِلى إرهاقِ الرُوح الدِينية اليَهُوديَّة، وَبِسَببها أَصبَحَ اليَهُودِيُ عَبداً ذَليلًا للفُروض والواجِبات الدِينية وما تَتطلبُها مِن طُقوسٍ وَشعائِر، حَيثُ يُؤديها مُرغمًا دُونَ فَهمٍ واضِحٍ لمضامينها وكُنهها، الأمر الذي قَضى بشكلٍ أو بآخر على الرُوحانية في التدين، ومِن هُنا أُضيفت للديانة اليهودية صِفَة الديانة الطقوسية الشعائرية.
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي