كتاب وأراء

تَشَظِّي الواقِع الدِينِي اليَهودِي «2 - 2»

لقد أدى رجالُ الدين اليهودي دورَ البطولة في سيناريو التشظي التاريخي للواقع الديني اليهودي، فقد تَحكّموا منذ البداية في الحياة الدينية، وأكثروا من الفروض والأحكام الخاصة بالقرابين والأضاحي، التي تَصُب مباشرةً في خزائِنهم (خَزائِن الكَهنة)، إذ وَجهُوا الطُقوس والشَعائر لخِدمة مصالحهم الدينية والاقتصادية، الأمر الذي أدّى إلى تَسَلُطهِم المُبالغ فيه على الناس، فقد عُرِفَ بشكلٍ عام عن اليهود وخاصة الكهنة والحاخامات اهتمامهم الشديد بالماديات؛ من ثروةٍ ومالٍ وغِنى، فهم يجدونها المحرك الأساسي للحياة الإنسانية. ومن هُنا أُضيفت إلى اليهودية صِفة الديانة الكَهنوتية، فَرُجل الدين أصبحَ المُتحكم بمصائر الناس، الأمر الذي زاد من حِدَّة تَوجهِهم في العُنصرية والتَطرف والعُنف مُبلوِرًا اتجاه اليهودية ديانةً ماديةً دُنيوية عَبرَ تاريخها، على حِساب الروحانية الدينية.
إنَّ أنبياء بني إسرائيل- من خلال تاريخ بني إسرائيل- لم ينجحوا في تغيير المسيرة الدينية لليهودية بالرُغمَ من كُلِ ما اشتملت عليهِ دَعواتهم مِن أفكار تخُص البَعث والحياة بعد الموت ومحاولتهم إعادة الجانب الأخلاقي للديانة، وكان الكَهنة أولَ من قاومَ الأنبياء في اتجاههم الأُخروي النَبوي، وتمكّنُوا بِواسطةِ نُفوذهم وسُلطانهم مِن قَمعِ وتَصعِير كُل هذه الدعوات (والتي شاء الله تعالى لها ذلك). وقد تَحدَثَ القُرآن الكريم عن بَني إسرائيل بِصفةٍ خاصة في حواليّ خمسين سُورة مِن القُرآن، إضافةً إلى حَديثهِ عَنهُم في بَقية سور القرآن بِوَجهٍ عام، ففي تناول القرآن لقصص الأنبياء ذكر أن اليهود منهم المؤمنون ومنهم الكافرون، وقَد أَخبَرَ اللهُ تَعالى في آياتِ القُرآن أَخباراً صَرِيحَة فِي أنَّ اليَهود قتَلُوا الأنبياءَ بغيرِ حَق، قالَ اللهُ تَعالى: «وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ». (سورة البقرة: 61)
وتُعتَبَر التَوراة بِمُوجَب تَعاليم اليَهودِية نَصًا مُنزلاً مِن عِندِ الله، وفي الوقت نَفسه يَعتقِد الكثير مِنَ المُفكرين اليَهود المُحدَثين أنَّ التَوراة هِي نُصوص وضَعَها عددٌ مِنَ المُؤلفين، وجُمعَت بِالتَدريجِ على مرِّ العُصور، الأمر الذي يَجعل التَوراةَ وأسفارَها كذلك دليلاً بارزًا اليوم على تشظي الواقِع الدِيني اليَهودي، فالتوراةُ بَلورَت بِشكلٍ أساسي التَارِيخ اليَهودي وكانت مُحصلةً لَهُ بِالنَتيجة، كما أنَّ التِلمود الذي يُعتبر مِن أَهمِّ الكُتُب الدِينية عِندَ اليَهود يُعَدُ دَلِيلاً آخرَ على تشظي الدِيانة التاريخي، بخاصةٍ لو عَلِمنا أنَّ التِلمود جَمَعَ تَفسيرَ الحَاخَامَات للشَرِيعة (التوراة).
وبطبيعة الحال تغيرت الشريعة اليهودية كثيرًا عبرَ التاريخ اليَهُودِي، فالصَلاة اليَهُودِية مثلًا والتي كانَ مضمونُها خاضعًا للتَغيير حَسَبَ التغيُرات السِياسية والأحداث التاريخية، نجد فيها أنَّ صَلاة الصُبح كانَ اليَهُودِي يَشكُر الإله أنه لم يَخلُقهُ أُمميًا: أي غير اليَهود (الأغيار)، وفي الجُزءِ الخِتامي مِنَ الصَلاة ذاتها يَبدأ بالدُعاء التالي: «نَحمدُ إلهَ العالمينَ أنّهُ لم يَجعلنا مِثلّ أُممِ الأرض، فَهُم يَسجُدونَ لِلباطلِ والعدم ويُصَلُونَ لإلهٍ لا يَنفعُهُم»، وقد حُذِفَ هذا الجُزء مِنَ الصَلوات في غَربيّ أُوروبا وظَلَ يُتداوَل فِي شَرقيّ أُوروبا وإسرائيل اليوم، كما أنَّه يُمكن أن تُضاف للصلوات أدعِية وابتهالات مُرتبطة بِأحداثٍ تاريخيةٍ وقوميةٍ مختلفة، وقَد كانت الصَلاة تُقام بالعِبرية أساسًا، ولكِن مَعَ حَركَة إصلاح اليَهُوديَة التِي جَاءت في وَقتٍ لاحق أَصبَحَت الصلاة تُؤدى بِلغُة الوَطَن الأُم، بالرُغم من أنَّ الأَرثوذكس قد احتفَظُوا بالعِبريِّة، وكذلك ما زال المُحافِظُون اليَهود يُطَعِّمُونَ صَلواتِهم بِعبارات عبِرية.
كما أنَّ أحبارَ اليَهُود قد فَرَضُوا الصِيامَ على أَتباع اليَهُودِيَّة أيامَ السَبِي البابلي، حيثُ سَنُّوا لَهُم صَومَ إحراق بيتِ المَقدِس وَصَومَ حِصارِه وغَيُرها مِنَ أنواع الصوم التِي فَرَضُوها على أَتباعِهِم، والتِي لم يَفرِضها عليهم موسى عليه السلام ولا اشتَمَلت عليها أسفار التوراة. وهُناكَ الكَثير مِنَ الأيامِ التِي يَصُومُها اليِهودِي قرَرَها عَليه الحَاخَامَات كذلك، وقِسْ على ذلِك كُل مَظاهِر الشَطَط التِي نالت مِن عِباداتِهم وشَعائِرهم وأخلاقِهم، والتي رَبَطُوها بِمادِّيَتِهم البَحتة وبِعبادة (يَهوَه) وتَنفِيذ وَصايا التَوراة المَفروضة.
وفِي النِهاية يمكن القَول إنَّهُ لا يُمكننا اليَوم فَهم أَيدُيولوجِيَة الحَركَة الصُهيونِيَة الحَديثَة بَعِيدًا عَن مَجال الدِين اليَهودي وذلِك باعتبارها آخر حَلقة فِي تطور التَارِيخِ اليَهُودِي، وبالرُغمَ من عِلمانِيَّة الحَرَكَة الصُهيُونِيَة، فإَنَّها استغلّت اليَهُودِيَة لِتَحقيق مَصلَحتِها الصُهيونِية الصِرفًة، فقد جَنَحَت إِلى استِغلال الدِيانَةِ اليَهُودِيَة لِتَوصيلِ أَفكارِها القَوميَّة إِلى اليَهُود وَرَبطِها بِمَسِيرَة التَارِيخ اليَهُودي بِشَكلٍ عَام، وَتَحّولَ الخَلاص الدِينيّ عَلى يَدِ الصُهيُونِيَّة الحَاليَّة إِلى خَلاص سِياسي.
باحثة في مقارنة الأديان والإعلام الجديد
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي