كتاب وأراء

شراكة أطلسية جديدة

القارة العجوز البيضاء تبحث عن نفسها، وترنو إلى فطام سياسي وعسكري يغنيها عن التوكؤ على العم سام، فما أن أعلن وزير الخارجية الألماني أنه قد حان الوقت لإعادة تقييم الشراكة الأطلسية، وأن الولايات المتحدة وأوروبا تبتعدان عن بعضهما البعض منذ سنوات عديدة، وأن المصالح والقيم المشتركة للجانبين قد اختفت، وأنه لا بد من أن يكون هدف السياسة الألمانية الرئيسي إنشاء أوروبا القوية والمستقلة.. فما أعلن وزير الخارجية الألمانية ذلك في مقال له بصحيفة ألمانية حتى سارعت ميركل إلى تأييده، وبعد ساعات قلائل من ذلك، خرج الرئيس الفرنسي ماكرون ليدعو أوروبا إلى وقف الاعتماد على أميركا، وإلى إشراك روسيا في ضمان أمن أوروبا.
علاقات القوة في العالم تتغير، ووراء ذلك الصعود الاقتصادي والعسكري الصيني والروسي من جهة، والنمو الاقتصادي الكبير لدول عدة في القارة الصفراء من جهة أخرى، ما يعني أن قائمة ترتيب القوى الاقتصادية والعسكرية في العالم صارت تختلف عما ظلت عليه طوال عقود خلت.
الرئيس الأميركي ترامب يعيد التموضع الأميركي غير المكلف للميزانية الأميركية على الخريطة الاستراتيجية الدولية، لملاحقة وتيرة الامتلاك الروسي لمنظومات أسلحة خطيرة جديدة يخشى أن تخل نسبيا بالتفوق الأميركي العسكري من جهة، كما يخشى أيضا أن يؤدي ذلك ضمنيا إلى التمدد الروسي في سوق السلاح الدولي، وهو ما يؤدي بالنتيجة إلى تزايد النفوذ الروسي، فتساهل الروس في بيع منظومة الصوارخ المضادة إس 400 يعني أنه قد صار بحوزة الروس أسلحة أكثر تقدما بكثير.
من شأن كل ذلك أن يدعو أوروبا إلى إعادة الحسابات، وإلى الاستقلال عن العم سام، وربما إلى إعادة النظر في الشراكة الأطلسية وإعادة بنائها على معايير أوروبية جديدة.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي