كتاب وأراء

عباءة العلمانية المقنعة

مِنَ النَّوم العميق تَحْتَ سرير التراب يَستيقظ «إبيقور» و«باروخ سبينوزا» ومَنْ جَاوَرَهُما في النَّحو والمنهج لِيُعِيدا إلى دائرة الضوء شيئا مِن فلسفتهما. إنها العلمانية.
كُلُّ نظام سياسي اجتماعي يُعارِضُ خَطَّ اتجاه بوصلة الدِّين ويَثور على أُسُسِه ومُرْتَكَزَاتِه ويَتَبَنَّى القطيعةَ بين شؤون الدِّين وشؤون الدولة هو في حقيقته نظام يَرْتَدي عباءةَ العلمانية..
لكن عن أيّ علمانية نَتَحَدَّث وأين؟!
ثِقْ يا صديقي بأن ذلك يَحدث على مساحة مُقَيَّدَة بالكثير، الكثير مِن الأَذْرُع والأَشْبار على هامش يُقالُ إنه عربي..
إنها العلمانية الْمُقَنَّعَة تلك التي تَفْصِلُ بين الدِّين والدولة ولو نِسْبِيا.
لكن لماذا يَتِمُّ الزَّجّ بالدِّين في سجن الفوضى والعبث؟!
إن الدِّين مِن وجهة نظر «باروخ سبينوزا» يَتَّخِذُ إطارا تأديبيا، ذلك بأن وظيفتَه تَكمن في التأديب. ولأنَّ الدِّينَ يَتَلَخَّصُ في كلمة واحدة هي الثَّبات، فإنه يُعارِضُ تَطَلُّعاتِ الدولة تلك وما تَحتاج إليه من تطور.
مِنْ هُنا يَأْخُذُ الدِّينُ في نظر الفلاسفة شَكْلَ القُيود التي تَتَنافى كُلِّيا مع ما تَحتاج إليه الدولةُ مِنْ حرية.. الدِّين في رأيهم سِجن كبير، بينما الدولة يَنقصها الهواءُ الطَّلْقُ ذاك الذي لا تَحدّه حُدود.
هذا التَّحَرُّرُ شيئا فشيئا مِن قميص الدِّين الضَّيِّق (القميص)، كما يَرى الدُّعاةُ إلى مذهبهم الفلسفي، هو ما شَجَّعَ على الارتماء في حضن عباءة العلمانية الفضفاضة (العباءة) تلك التي لا تُقَيِّدُ الأنفاس في عُرْفِ الممتثلين لها مِن الناس..
لكنَّ السؤال: أَتَسْتَدْرِجُهُم الفوضى إلى مُنْعَرَج السُّقوط أَمْ أَنَّهُم على مشارف أبواب صحوة علمانية؟!
ونحنُ على بُعْدِ جِسر مِن العلمانية الْمُقَنَّعة نَقولُ: شَتَّانَ بين الإقناع والقِناع.. نتحدث اليوم عن القِناع الذي أَصْبَحَتْ تَرْتَدِيه أكثر مِن دولة مُتَسَتِّرَة بِسِتار الدِّين.
فَلْيَجْتَهِدُوا قَدْرَ ما يُتاحُ للمجتهدين، لكنْ لِنَتَّفِقْ على أنَّ هناك أكثر من هامش مكاني يَجْرِي بين ضِفَّتَيْهِ نَهْرُ العُروبة باتَ يُشَجِّعُ على فَصْلِ الدولة عن الدِّين.
كَمْ مِنْ غِطاء يَكْفِيكَ لِتُقْنِعَنِي بِسُقوط قِناع العلمانية أنتَ الذي تَسْبِقُكَ النِّية إلى طَمْسِ كُلّ ما لا مجال بحال لِتَحْرِيف تَأْوِيلِه مِمَّا تُمْلِيهِ النُّصوصُ الدينية بعيدا عن الأعراف القَبَلِية تلك التي غَدَتْ تَكِيلُ بِمِكْيَالَيْنِ!
بِأَيّ مَنْطِق يَكونُ لكَ أنْ تُفَصِّلَ الدِّينَ على مَقاس الْمُتَوَّجَة رُؤوسهم بِريشة الطاووس العربي الذي لا تَسقط له كلمة كما لا يَسقط له قناع؟!
أَنَتَحَدَّثُ عَن الإسلام الْمُعْتَدِل أَمْ نَضَعُ النُّقَطَ على الحُروف ونَعْتَرِف بِجُرْأَة بأنَّ الأمرَ باختصار يَتَعَلَّقُ بِزَحْفِ العلمانية الْمُعْتَدِلَة؟!
نافِذَةُ الرُّوح:
- «سِتَارُ الخيانةِ القَذِرُ ما عادَ يَحْجُبُ تَنَمْرُدَكَ وأنتَ تَتُوقُ تَوْقاً إلى شَهوةِ المنصب عَبْرَ القَفْزِ على السُّلَّم الأخلاقي».
- «اهْربْ، اهْربْ مِنْ صرخةِ الضمير إلى جُزُرِ الرغبة ما اسْتَطَعْتَ، الآن تَكْفُرُ بِكَ سُفُنُ النَّجاة».
- «حَصِيرةُ الْمَجْدِ الْمُزَيَّف ما عادَتْ تَتَّسِعُ لِقَدَمَيْكَ الْمُتَوَرِّمَتَيْنِ.. كَفَاكَ زَحْفاً».
- «يَقُولُ لي العقلُ: فَصِّلِي مِنْ ثَوْبِ التَّرَقُّبِ فُسْتانَ حِكْمَةٍ.. ويَقُولُ لي القلبُ: فَصِّلِي مِنْ ثَوْبِ الحنين جِلْبَابَ عِشْقٍ».
- «بَيْنَ الحُبِّ والحَرْبِ رَغْبَةٌ في الانْعِتاق والتَّمَرُّد».
- «اَلْبَعْضُ يَتَحَرَّرُ مِنْ حُكْمِ القبيلة التَّعَسُّفِي ثَوْرَةً على الظُّلم بالاسْتِمَاتَةِ في النِّضال، والْبَعْضُ الآخَر يَتَحَرَّرُ مِنْ مَلابِسِه ويَسْتَعْرِضُ عَضَلاتِ رَغْبَتِه الشَّقِية إِرْضَاءً لِرُموزِ الظُّلم».
«أَمَا آنَ لَكَ يا صَوْتَهُ الْمُمَزَّقَ أنْ تلجمَ لسانَ الدموع وتَفْقَأَ عَينَ الباطل؟!».
بقلم : سعاد درير

سعاد درير