كتاب وأراء

مـــاذا نقـــــرأ ؟

لاشَك أن القراءة تؤثر إيجابًا وسلبًا على عقل المُستقبل في السلوك والفكر والعمل، مما يؤدي بشكل قاطع إلى التأثير في بيئة الفرد الصغيرة والكبيرة، وفي الجمهور الداخلي والخارجي لعالمه. وعطفاً على التأثير، فكلنا نستشعر أنَّ هُناك من الأشخاص في حياتنا ممن لهم بالغ الأثر على مخططاتنا، مشاريعنا، وتيرة يومنا، فهؤلاء في مكانة وقدر وحُب جعلهم مجرى الحياة فينا، وجعل معنوياتهم تتقاطع وتؤثر مباشرةً في معنوياتنا.
إنَّ كُل هذهِ المُقدمة «المجتهدة» المُلتوية أُحاول فيها أن أصل بك قارئي الكريم إلى قصتي مع (كتاب الشعر الأسود)، هذا الكتاب الذي أصفه في هذا العنوان ما بين القوسين مجازاً كي لا أؤثر ولا أعمل دعاية مغرضة أو غير مغرضة لكاتبه ومنظمة. فقد كان لهذا الكتاب أثر بالغ في نفسيتي التي قفزت طوال فترات قراءتي له بين الأبيض والأسود والرمادي في نفس الوقت، وقد نهرني المحيطون بي في تجاوزي لتوقعاتهم مني في ناحية (الدراما المتوالية) التي كنت أقوم بها تعبيراً عن مشاعري القوية تجاه أي حدث أو أي خبر، غيرُ مدركة أنَّ الكتاب ذا الجلد (الأسود) كذلك قد أثَّر عليَّ بشكلٍ لم أكُن أتوقعه أبداً. فقد نهروني بعدما وجدوا كتابًا أتناقله بين حُجَرِ المنزل إلى عروجاتي للخارج إلى بعضِ المُقتطفات منه على صفحتي في الفيس بوك في شكلٍ حزين (مجنون)، وكأن الحياة اختفت وتوارت وراء جلدٍ سميك مطلي باللون الأسود في كتابٍ يحوي عينه من الأشعار المأساوية (لفطاحل) الشُعراء الذين زُهقت أرواحهم بشكلٍ أو بآخر في دنيا (موجعة). أليس هذا الكلام المنظوم مجروحٌ بشدةِ التأثُر به! وإليكم، فإني ما قرأت كتابي هذا مُنذ حين وإني الآن أفضل!
إليكَ قارئي أمرين لن يُدهشك معرفتهما، القراءة تجعل منك شخصاً أكثر ذكاء، وكلما قرأت أكثر كانت النتيجة أفضل!، فما السبب وراء ذلك؟ وما السحر الذي يتحقق بالقراءة؟، إنها دون شك تزيدُ من حجمِ قاموسك اللغوي بمعدل أكبر مما يمكن أن تحصل عليه من خلال الحديث وحضور الدروس، كما أنها تُعمق ثقافتك العامة بشكلِ كبير وتُقلل احتمال حصولك على معلومات خاطئة، فيما تُساعد على بقاء ذاكرتك وقدراتك على المعالجة المنطقية سليمة مع تقدم العمر. وهذا ليس كلَّ شيء فالعُلماء اليوم يجدون علاقة قوية بين القراءة وتنمية الاتصالات العصبية في الدماغ؛ فقد أكدّ العلماء في كلية الطب بجامعة ييل الأميركية وجود علاقة قوية بين القراءة والمطالعة المكثفة، وقدرة الدماغ على إنشاء ترابطات واتصالات عصبية جديدة تحسن المهارات الذهنية والوظائف الإدراكية عند الإنسان.
ولكن أيها الكرام ليست كل الكتب تُقرأ! هذه حقيقة وليست دعوة لمقاطعة (اللون الأسود) في الكُتب، فبعض الكُتب يدخلك في عالمٍ مسموم عاش فيه الكاتب دهرا ثم خرج منه (لكن لا أدري إلى أين؟!)، حيثُ تُوقِد عندك الشعور بالتعاسة وتتطور أمورك على منحى دراماتيكي، فلا تَلبث إلا وقراراتك متأججة ممزوجة بالغضب والسُرعة على نوحٍ من السقم والحُزن.
إنَّ المكتبة تَعُجُ بأصنافِ الأدب المُتاح والمُباح أمام جمهور المريدين، وبعض هذا الجمهور- وأنا منهم- لا يطيق (العيش) مع كتابٍ من هكذا نوع إلا عبورًا قصيرًا كي لا يتأثر به، فيُزهق من يرتبطون به بالمباشر أو غير المباشر في حياته فيصبح (أحد حروف العِلَّة) الكثيرة (للأسف) في هذا الوجود. ولا أُريد لنفسي ولا لكم أن نَكونَ مِن هَؤلاء، فاقرؤوا الجَميل والرائع وما تَسُر بِهِ نُفوسكم وتُشرح بها صدوركم.
إني أؤمن أنه مهما نُشرت مقالات توعوية ونظمت حملات توعوية هدفها الجليل الدعوة لمزيد من المطالعة والقراءة، فإنه لن تتحقق التغيرات المنشودة طالما كان الفرد غير قانع كُليا بأهمية القراءة لحياته وشخصيته وطور نمائه في الدُنيا. ويكفي لهؤلاء أن يُلاحظوا كل النماذج التي تحيطهم من مغيرين ورواد ليكتشفوا كيف أن القراءة وحبُ المعرفة كانت شعلتهم الأولى للتميز على أقرانهم ولنجاحهم المشهود في التغيير نحو الأفضل.

يَقُول الأديب طه حسين: «وما نعرف شيئًا يُحقق للإنسان تفكيره وتعبيره ومدنيّته كالقراءة، فهي تُصور التفكير على أنَّه أصلٌ لكل ما يقرأ».

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي