كتاب وأراء

شهوة الحياة تفقد بريقها



قَدَرُكِ، قَدَرُكِ يا أُنْثَى، يا شاعرة، أن تَمْلَئِي صفحاتِ الذاكرة، مِن وحي إلهامِكِ، ولحظاتِ جُنونك اللذيذة والخَلاَّقَة، لكنَّ طريقَ الشِّعر، يا صغيرتي، مثله مثل مَرَدَة البحر الحَيّ، يَأْخُذونكِ إلى جُزُر الموت دونَ تذكرة سَفَر أو بطاقة..
إنها إيفانا برليتش مازورانيتش IVANA BRLI?-MA?URANI?، إيفانا الشاعرة الكرواتية، وكاتبة حكايات الصغار التي حَصَدَتْ سنابلَ النجاح الْمُدَوِّي في زمنها قبل أنْ يتداعى صَرْحُ معنوياتها النفسية وتَنْهار..
إيفانا برليتش مازورانيتش هي الكاتبة سليلة العائلة الأدبية العارفة، يَكفي أن والدَها فلاديمير مازورانيتش مؤلف ومؤرخ ورجُل قانون مُلِمّ بأكثر من مجال..
لكن الغريب في سيرة الكاتبة إيفانا برليتش هو أنها شديدة التأثر بجدها الذي يَجعلنا نلاحظ جليا تلك القواسم المشتركة بينهما من بداية التسمية إلى نهاية الهوس بالشِّعر..
إنه IVAN MA?URANI? إيفان مازورانيتش، هذا جَدُّ إيفانا مازورانيتش الذي كان هو الآخر الشاعرَ الكبير الذائع الصّيت في زمنه، فضلا عن أن يَكون السياسي الشهير..
أما زوج إيفانا فاتروسلاف برليتش VATROSLAV BRLI?، فقد جمع بين رَجُل القانون ورجُل السياسة.. ولا غرابة أن كُلَّ المؤشرات تَدلّ على الدرجة القصوى من الاستقرار التي تَحَقَّقَتْ لإيفانا مع زوجها مادام قد وَفَّرَ لها الظروف الصحية للنجاح ككاتبة وزوجة وأُمّ..
غير أن المفارقة الغريبة التي نَقِفُ عندها تُوَلِّدُ فينا فُضولَ السؤال حَدّ الشغف: كيف يعقل أن امرأة قوية الحضور والقدرات تُذْعِنُ للرغبة في الانفلات من قفص الحياة؟!
كيف لقفص الحياة ألا يَكون جميلا في عَيْنَيْ شاعرة مُحَاطة بهذه العائلة من أهل الشِّعر والفكر والمجد السياسي والأدبي؟!
كيف لا يمكن لهذه العائلة إلا أن تَكون مُقَدِّرَة ومُتَفَهِّمَة لاحتياجات أنثى تَرى ما لا يراه سِواها مِن الإناث وهي الخبيرة العارفة؟!
كيف يعقل أن تَحِيدَ عن طريق الحياة المستقيم أُمٌّ رَضَعَ أبناؤها حليبَ الشِّعر وطَوَّقَتْ وسطهم حَفَّاظَاتُ الحَكي والقَصّ وكانوا من أوائل المستفيدين مِن ضُلوعها في مجال تأهيل الطِّفل عبر بوابة التعليم؟!
خَطُّ حياةٍ مُتَقَطِّع الأنفاس يَمْتَدُّ مِن أوغولين OGULIN إلى زغرب ZAGREB جَعَلَ إيفانا برليتش مازورانيتش راقصةً على حبل المواجع الخفية، إنها المواجع شُعْلَة النار تلك التي تَأكلك بعيدا عن الصخب والضجيج، تَأكلك في صمت..
مَنْ كان يُصَدِّق يا صديقي أن روائية وشاعرة وكاتبة سَخِية تُضْمِرُ خلف نُورانية مُحَيَّا قلبِها وقلمِها حكايةَ امرأة شَقِية، امرأة أَلْبَسَتْها الحياةُ ثوبَ المجد لِتُصَيِّرَه لاحقا كَفَنَها الزاحفة به قَدَماها إلى قبر الخُلود تحت الثَّرى..
شهوةُ الحياة تَفقد بريقَها ويَتَبَدَّدُ زخرفها، فإذا بسيدة الحكايات تسدل الستار على مسرح الحياة، ولا أَحَد، لا أَحَد سَيُصَدِّق أن دَورَ البطولة، ذاك الذي لَعِبَتْهُ فيها إيفانا، أَنْساها بَسمةَ الطفولة..
أَشْقَى ما يُمكن أن يَمُرَّ به إنسان هو أن يَعيش في عالمه الخَفِي، ذاك الذي يَفتح لك عليه نافذةً عبر الكتابة، يَعيش مصلوبَ الإحساس بالأمان على جدار النسيان..
لا نسيان هنا إلا للرغبة في تَقَبُّل خِذلان الحياة لأَحْلامِكَ الصغيرة، فالأحلام الصغيرة سرعان ما تَموت في دنيا لا تُقَدِّم لنا أَقَلّ شيء مما نَشتهي، لكنها في الْمُقابِل تُقدم لنا ما تَشتَهيه هي لنا..
الكاتبُ الذي يَصمد في وجد الظروف ويَحمل في قلبه رسالة هو بالضرورة يُؤَدِّي ضريبة، أو لِنَقُل باختصار إنه يَدفع ثمن السكوت على الجريمة: جريمة شَقّ صدر الورقة، وما الورقة إلا أنثى شَبِقَة، أنثى مستسلمة لِحُمَّى الفتوحات القَلَمِية..
في الأدب الحكائي الكرواتي ترَكت إيفانا برليتش مازورانيتش بصمتَها القوية، وتَفَوَّقَتْ على قريناتها مِن النساء في العزف على وتر الطفولة، كما أن حكاياتها الكرواتية القديمة لم تَكن لِتُخْفِيَ قُوة قَلَمِها ذاك الذي أَهَّلَها لِتُسَلْطِنَ حَكْياً وتَنْضَمّ بالتالي إلى الأكاديمية اليوغوسلافية للعلوم والفنون..
اللذة الفنية طريقُها شاقّ ومُتْعِب، كما أنها لا تَخْلُو مِنْ مُنْعَرَجات لا تَسْتَثْنِي مَواكبَ الأميرات والْمَلِكات، فما بالك بمملكة الكتابة التي قَلَّما كانت تَسُودُها النساء!..
بابُ الحياة الضَّيِّق يُوصَد كليا في وجه إيفانا برليتش مازورانيتش ما أن يَكتبَ القَدَرُ كلمتَه بحبر الأَمْرِ الذي لا يَقبل العصيان..
إنه الأمر الذي يَنقاد له الإنسان المتمثِّل في صورة إيفانا، وإذا بصاحبتنا لا تتوانى عن نَزْعِ القُبَّعَة والفُستان: قُبَّعة الأُنوثة الفَيَّاضة إحساساً، وفستان اكتشاف شهوة الكتابة بأصابع لا تَنام..
مَوعد مع الموت الْمُخَطَّط له كان في انتظار إيفانا برليتش مازورانيتش التي انْجَرَفَتْ بِحِدَّة إلى بِئر الاكتئاب السحيقة..
تلك البئر لم يَمْنَعْها عن الانحدار إليها التكريمُ الذي حَظِيَتْ به ككاتبة قَلَّ نظيرها ولا حتى سُمُوُّ كتابتها تلك التي كانَتْ تَعِدُ بقطف ثمار الاعتراف من شجرة نوبل..
كالطائر الغريب تَرتدي إيفانا برليتش مازورانيتش جُبَّةَ الغياب، وتَختفي عن أنظار الأحياء مُخَلِّفَةً وراءها سِتَّة أبناء وترَكِةَ من الكتب..
ما أقسى قلبَ الحياة «إيفانا»!
ما أَحْزَنَ عالمك، عالَم البراءة، برحيلك!
بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير