كتاب وأراء

الــعــلــم نــورن

شعرت بغصة صغيرة من ضمن عشرات الغصات التي أتجرعها يومياً، وأنا أقرأ أن نسبة الأمية في العراق بلغت 8%، وقرأت في إحصائية أخرى أنها 20%، وصحت على طريقة يوسف وهبي: يا للهول! لقد كان العراق يقترب من نسبة صفر في المائة في الأمية. ومن ضمن هذه الغصات أيضاً أن جيلاً كاملاً من أطفال سورية نشؤوا على الأمية بسبب الحرب هناك، وقد كانت نسبة الأمية 14% حتى عام 2015 فكم ستبلغ بعد بضع سـنوات؟
احتفل العالم باليوم الدولي لمحو الأمية في التاسع من هذا الشهر، وكما نتألم حين نقرأ أعداد الفقراء والجوعى في العالم، نتألم حين نقرأ أن في العالم اليوم 750 مليون شخص على الأقل يفتقرون إلى مهارات القراءة والكتابة الأساسية، ثلثاهم من النساء، أي 500 مليون فتاة وامرأة، و102 مليون شخص منهم من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً. ونتحيز للعرب ونتألم إذ تقول الإحصائيات إن 19% من البالغين أميون، وتأتي موريتانيا في رأس القائمة، إذ نصف السكان أميون (49%) وفي مصر الرائدة في التعليم والتعليم الجامعي تبلغ نسبة الأمية 25% من السكان، بينما يحق لقطر أن تفتخر بأنها تكاد تمحو الأمية تماماً، إذ إن نسبة الأمية بين السكان فوق 15 عاماً لا تتجاوز 2%، وهذا يشمل كبار السن والعجائز. ويمثل الأميون العرب 12% من عدد الأميين في العالم.
وتربط الأمم المتحدة الأمية بالبطالة، فتقول إن في العالم اليوم 192 مليون شخص يعانون من البطالة، ويعجز جزء كبير منهم عن إيجاد سبل عيش كريمة بسبب افتقارهم للمهارات الأساسية، ومنها مثلًا مهارات القراءة والكتابة، ناهيك عن عدم قدرتهم على اكتساب المهارات المطلوبة في سوق العمل. وهنا نأتي إلى الأمية الحديثة أو الحضارية، فلم تعد الأمية مجرد العجز عن القراءة والكتابة، بل صارت تعني العجز عن أمور كثيرة، لقد تجاوز العالم مرحلة مكافحة الأمية الأبجدية إلى محاربة الأمية الحضارية، حتى إن تعريف المصطلح أصبح يختلف في الدول الأوروبية واليابان عنه لدينا، فامتلاك ناصية القدرة على القراءة والكتابة أمر جيد ومطلوب، ولا يمكن أن تتحقق أهداف محو الأمية الحضارية دون التخلص من أمية القراءة والكتابة، لكن! ماذا عن معرفة لغة أخرى واحدة على الأقل؟ وماذا عن التعامل مع الحاسوب والوسائط الإلكترونية؟ لقد أصبحت هذه ضرورة للمشاركة في مجتمع المعرفة، وممارسة الحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وكيف سيربي أبوان أميان أطفالاً تخطوا الأمية الحضارية؟ هل أخطأ الذين قالوا إن العلم نور؟ أليست الأمية عمى أو ظلام دامس؟.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين