كتاب وأراء

عملاق اقتصادي وقزم سياسي

تتسع كل يوم حالة الافتراق والفتوقات وبشكلٍ تدريجي وبحدودٍ معينة مؤهلة للتوسع، بين واشنطن وبعض دول الاتحاد الأوروبي بشأن العديد من القضايا والعناوين السياسية والاقتصادية، وتبرز تلك الحالة جلية وواضحة بين واشنطن وبرلين، حيث ضاقت الأخيرة ذرعاً بالتطاول الأميركي المُستمر بشأن علاقاتها مع موسكو، واندفاعها باتجاه التعاون معها بميدان الغاز والطاقة، وتشجيعها لاستكمال «خط السيل الثاني» الذي يؤمّن تدفق الغاز الروسي من سيبيريا باتجاه أوروبا الغربية، وقد بانت الأمور واضحة جداً في قمة الناتو التي عُقِدَت قبل شهرٍ مضى، وما تلاها من تلاسن إعلامي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمستشارة الألمانية ميركل بشان قضايا الناتو، والعلاقات الاقتصادية مع موسكو وبكين، وخط الغاز السيبيري.
عدا عن ذلك الموضوع الإيراني، حيث مازال اللغط يسود بين معظم دول الاتحاد الأوروبي من جهة وواشنطن من جهةٍ ثانية، ففي الفترات الأخيرة، دامت مفاوضات إيران أسابيع عديدة مع الاتحاد الأوروبي لنقاش الآليات والضّمانات العَمَلِيّة الأوروبية لتطبيق الاتفاق النووي، وتُوِّجَتْ المفاوضات بلقاء وزير خارجية إيران في «فيينا» (عاصمة النّمسا التي تترأس الاتحاد الأوروبي خلال النصف الثاني من سنة 2018) مع وزراء خارجية الدول المُوَقّعة على الاتفاق النووي (باستثناء الولايات المتحدة)، وهي الصين وروسيا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، بمشاركة المسؤولة عن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي (فيديريكا موغيريني)، وقدّمت إيران خطّةً «لدَعْم تطبيق الاتفاق، بعد خروج الولايات المتحدة، عبر ما سَمّته إيران «معابر شَرْعِيّة وآليات عَمَلِيّة لتصدير النفط والغاز، والحصول على الثمن عبر معاملات مصرفية تَكْسِرُ الحصار، مع تجنّب الانتقام الأميركي»، ولَخّصَ وزير الخارجية الإيراني انطباعاته إثر الاجتماع حيث أعلن «لمسنا للمرة الأولى إرادة سياسية أوروبية للاستقلال عن الولايات المتحدة، لكن وجب الحَذَر، لنرى لاحقاً أفعالاً تُؤَكّد أو تُثْبِتُ هذه الإرادة، ومدى قُدْرَتِهم على تحويل الإرادة إلى فِعْلٍ...».
إنَّ ابتلاع واشنطن للفعل السياسي واحتواء كل القضايا التفاوضية في الشرق الأوسط، إلى الملف الإيراني، إلى موضوع العلاقات الأوروبية بين كل من روسيا والصين الشعبية ومحاولة التأثير على مساراتها، ووضعها تحت عباءتها وتقزيم حتى دور الأمم المتحدة في السياسات الدولية تجاه بؤر التوتر والأزمات، سياسة تضع عملياً جميع الأوروبيين في عربة الصف الثاني ودون فعل ملموس ومؤثر. إنها السياسة الأميركية التي تريد الإبقاء على دول الاتحاد الأوروبي وعموم أوروبا، عملاقا اقتصاديا ومانحا ماليا لمناطق وبؤر الأزمات الدولية، وقزما سياسيا في الوقت نفسه، لكن أوروبا المغيبة عن الفعل السياسي المُنتج في الشرق الأوسط تحاول أن تجد لها موطئ قدم سياسي تغادر فيه موقع الممول المالي لعملية التسوية في المنطقة إلى موقع مسؤول ومقرر.
إنَّ التقاء المواقف وتقاطعها بين دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة تجاه قضايا الشرق الأوسط وحتى العالم بأسره يصاحبها واقعياً على مدايات زمنية تعارض واضح في المصالح. صحيح أن أوروبا تتقاطع سياسياً مع واشنطن على مساحات تضيق أو تتسع تبعاً لظروف ومعطيات كل مرحلة، إلا أن تعارض المصالح بين الطرفين يبقى أيضاً أمراً قائماً الآن وبوضوحٍ صارخ، بل ويزداد في اتساعه يوماً بعد يوم، وهو ما سيدفع أوروبا في نهاية المطاف لمغادرة سياسة «الدبلوماسية الحائرة» المنتهجة منذ انتهاء الحرب الباردة عام 1990، إلى سياسة مبادرة تجاه الأزمات الدولية، ودفاعاً عن مصالحها، بحيث لا تحسب حساباً لمواقف واشنطن كما جرت العادة.
بقلم : علي بدوان

علي بدوان