كتاب وأراء

سنكمل التصوير والحرية

لا يكاد يمر عام إلا وتحصل خلاله السينما السورية المستقلة على جوائز عالمية، ففي الأيام الأخيرة نالت ثلاثة أفلام سورية جوائز عالمية، في مهرجاني فينيسيا وهنغاريا، وقبلها بأسابيع نال فيلم سوري آخر جائزة دولية في مهرجان فرنسي، ولو أردنا عد وتسمية الأفلام والمخرجين السوريين الذين حصلوا على جوائز عالمية خلال الأعوام السابقة لفاتنا أحد ما على التأكيد، إذ لا يخلو مهرجان سينمائي دولي من فيلم سوري، أو أكثر، أنتجته السينما المستقلة، ولا تخلو جوائز للسينما المتنافسة من حضور السوريين فيها، والجميل أن المخرجين والمصورين غالبيتهم من الجيل الشاب، الجيل الذي حمل كاميرته وأحلامه وانطلق في العالم،
والجميل أيضا أن الأفلام ليست فقط وثائقية، بل هناك أفلام روائية طويلة أيضا، وهي في غالبيتها، الإنتاج الأول لمخرجيها الشباب، وهو ما ينفي النظرية التي طالما رددها مؤيدو النظام السوري، لدى حصول أي سوري ضد النظام على جائزة ما: «إنهم يستغلون القضية السورية ويتاجرون بالوطن ومأساته من أجل الحصول على مكاسب»!!! إذ ليست كل الأفلام وثائقية تسجيلية، وعلى فرض ذلك فإنه كان من الممكن أن يحدث تعاطف مع السينما السورية ومع القضية السورية في السنوات الأولى اللاحقة للثورة، ولكن نحن الآن في العام الثامن، والتعاطف القديم تغير، وثمة معايير فنية للمهرجانات السينمائية، وسمعة قديمة تتسم بالموضوعية في هذه المهرجانات، لن يتم التغاضي عنها من أجل منح جوائز للسوريين إن كانت أفلامهم لا تستحق هذه الجوائز، وطبعا نظرية العلاقات العامة في الحصول على الجوائز منفية هنا، فالسينمائيون السوريون الذين ينالون الجوائز كلهم من الشباب، الذين لا تاريخ لهم مع المهرجانات الدولية، ومنهم من عاش الحصار في سوريا، ولم يخرج منها إلا مؤخرا، ومنهم من ما زال هناك، يناضل للعيش بأقل شروط الكرامة الممكنة، ومع ذلك يحمل كاميرا وحلما ويواصل نضاله.
تعيدنا هذه الظاهرة إلى قول قديم عن السوريين، إنهم فاشلون سينمائيا، إذ لم يظهر في سوريا خلال العقود الماضية سوى أسماء سينمائية قليلة جدا، كان إنتاجها مقتصرا على المؤسسة العامة للسينما، وبعض الأفلام الوثائقية التسجيلية التي صورت وأنتجت خارج هذه المؤسسة، رغم أهمية ما أنتج، على قلته، إلا أنه بقي محصورا بمجموعة محددة من السينمائيين المعروفين في سوريا وخارجها، ومن جيل عمري سينمائي واحد تقريبا، بينما بقي الشباب، إلا المرضي عنهم، بعيدين عن هذا المجال الساحر، ولم يكن هناك أية فسحة لسينما تجريبية شابة في سوريا، فمؤسسة الدولة السينمائية تسيطر على الإنتاج، وتعطي بركاتها لمن تشاء وتمنعها عمن تشاء، والإنتاج الخاص كان محكوما أيضا بعلاقات أشبه بالمافياوية، ومرتبط بشكل من الأشكال بأجهزة الدولة، هذا عدا عن أن سوريا كلها لم يكن فيها صالات سينمائية سوى صالات سينكا (الكندي) التابعة للدولة، كل الصالات القديمة التي كانت قبل السبعينيات قد تم إغلاقها بقرارات رسمية أحيانا وأحيانا بذريعة هدم الأبنية القديمة، كانت غرف البيوت تتحول إلى شاشات سينما، يعرض بها الشباب، سرا، ما يتاح لهم أن يصوروه في ذلك الوقت.
بعد الثورة، وبعد أن رفع السوريون غطاء القمع والقبضة الأمنية بدمائهم وأرواحهم، عاد شغف السينما المخفي إلى روح الشباب السوري، كان توثيق الحدث الدامي والاستثنائي هو الهدف الأول، اللحظة الخارقة تحولت إلى سنوات، والسنوات تحولت إلى سينما، والسينما انطلقت نحو العالم، بحالة شغف هائلة، لم تحصل سابقا، وكأن رد الفعل على كل سنوات القهر والموت والقمع حملته كاميرات شباب سوريا، وعكسته فنا راقيا وجديدا على السوريين، كأن عدسات الكاميرا تصر، مثل حامليها، على الاستمرار في صراخ الحرية، أثبتت السينما السورية المستقلة في الأعوام الأخيرة أنه لا شيء صحي وطبيعي يمكنه أن ينمو في جو القمع واللاحرية، وأن ما حصل في عام 2011 غير السوريين إلى الأبد رغم كل محاولات إعادة التدجين والإرهاب.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران