كتاب وأراء

في مرايا العقل والقلب والعين

نَتَعَلَّمُ مِن مَدْرَسَة الحياة التي نَطْوِي صفحاتها يَوْماً فَيَوْماً، نَتَلَذَّذُ بِحُلْوِها، ونَتَجَرَّعُ مُرَّها عنوة.. لكنَّ الْمَدْرَسَةَ النموذجية والمثالية تَظلّ دائما مَدْرَسَةَ الْمُعَلِّم الأول رسولنا محمد عليه السلام.
بَيْتٌ ثان هو الْمَدْرَسَة، بيت يَتَّسِعُ لِكُلّ طُلاَّب الحياة.. فما أَجْمَلَ أن تَكون الْمَدْرَسَةُ مَدْرَسَةَ مُحَمَّدنا! وما أَجْمَلَ أن يَكون طُلاَّبُ الحياة أُمَّةَ محمد عليه الصلاة والسلام!
ولأنَّ بيتَ محمد كتابٌ متعدد الأبواب والفصول، والحديث عنه يَطول، فإننا سَنَقِفُ وَقْفَةَ التمجيد بانحناء عند فَترة مُشْرِقَة مِن حياة محمد تلك التي لَوَّنَتْها أُمُّنَا خديجة بِلَون الوَرد..
بيتُ محمد وخديجة يُشَكِّلُ لنا القُدْوَةَ التي يَنبغي الاقتداء بها مِنْ أَلِفِ الحُبّ، الحُبّ الذي ضَمَّ القلبَ إلى القلب، وُصولا إلى ياءِ التضحية التي ما اسْتَعْصَتْ أيامَ الصدق والالتزام بالكلمة والإيمان بالإنسان..
حُبٌّ لم يَأْتِ مِن فراغ ذاك الذي ربط الأمينَ والطاهرةَ برباط الزواج الْمُقَدَّس لِيُعَلِّمَا أبناءَ الأُمَّة ما لا يَسقط عند رصيفه الاحترامُ، كما لا يَغيب عنه الدَّفع بقوة لتجديد الوِئام ذاك الذي يُرَطِّبُ حَلْقَ الحياة الزوجية لِيَصدح منه صوتُ الحُبّ كما يَليق بطائر غِرِّيد..
دَرْسُ البَرَكَة دَرْسٌ آخَر نَتَعَلَّمُه في مدرسة محمد وخديجة، فما كانَتْ خديجة لِتَنْتَبِهَ إلى عَظَمَة محمد لولا سماعها عن أمانته التي أَهَّلَتْهُ لِمُباشرة أعمال تجارتها.. ولْنَنْظُرْ: أيّ جزاء كان لحافظ الأمانة! إنها الحرية الْمُقَدَّسَة في بيت الزوجية الذي تَاقَ إليه محمد تَوْقاً بعد أن رَفْرَفَ قَلْبُه نَبْضاً وهتف رَفْعاً لِصَوت الطهارة الذي أَذَّنَ في صومعة قَلْبِ خديجة وجَعَلَها تَفوزُ بِسَيِّد الشباب، إنه محمد الذي وَضَعَتْ هي فيه ثِقَتَها، فَفَاضَ الرِّزْقُ، وكَثُرَتْ عَوائِدُ الرِّبح الذي لم يَكُنْ لِيَهطل بِغَزارة مِن قَبل..
اَلرُّجولة تُقاسُ بالأخلاق، ولا مجال لِتَزِنَ الإنسانَ في غير ميزان الأخلاق. مِن هنا لم يَكُنْ لِلْعُمْر مكان في حسابات الزواج. ولأنَّ أخلاقَ محمد ثَمَّنَتْهُ وصَيَّرَتْهُ قُدْوَةَ الرِّجال في مَرايا العقل والقلب والعَين، فإن خديجة بارَكَتْ رغبتَه في الارتباط الشرعي بها، بِغَضّ النظر عن عُمرها، لا بل أكثر من ذلك أَنْجَبَتْ مِنه ما لا يَتَيَسَّرُ لغيرها..
الحنان، والرحمة والود اللذان كانا يُمْطِران تحت سماء بيت محمد وخديجة، جعل الرَّسُولَ الأمين يَجِدُ في حضن زوجته الدِّفْءَ وبَرّ الأمان، فَمَهْمَا تَنَكَّرَ له القومُ، وكَذَّبُوا رِسالتَه، كان تَصْدِيق خديجة له يُهَوِّنُ عليه ما عسر ويُحلي أوقاتَه الْمُرَّة.. كان حُبُّه لها أَقْوَى مِنْ أنْ يَهيل عليه الزمنُ تُرابَ النِّسيان حتى أنَّ أُمَّنا عائشة كانَتْ تَغَارُ مِن ثقل ذكرى أَوَّل امرأة دَخَلَتْ قَلْبَ الرسول وما خَرَجَتْ..
ولأنَّ للإحسان جزاء، فقد أَكْرَمَ محمد سَيِّدَةَ بيته الأولى بما فَاضَتْ به يداه الكريمتان هو الذي ضَرَبَ الْمَثَلَ للإنسان في إنصاف أخيه الإنسان، فما بالك بِنِصْفِه الآخَر!
كان عليه السلام يَجِدُ في نَفْسِه لَهْفَةً وشَوْقاً إلى أن يُقاسِمَ زوجتَه مسؤوليات البيت وواجباته بِمَحَبَّة وتقدير يَجْعَلان ملائكةَ الرحمان تَرْفَعُ أَكُفَّ سَقْفِ البيت حَمْداً ورِضى..
اَلْحُبُّ الكبير الذي سَقى به محمد قَلْبَ خديجة جَعَلَ وُرودَه تَتَفَتَّحُ لِيَنالَ كِلاهما شيئا مِن عطره وشَذاه، على أن يَتْرُكَا سِواه (مِنْ عِطر) لِيَضُوعَ ضَوْعاً في أجواء الأُمَّة على مَرّ أجيالها..
هذا الحُبّ يَليقُ بنا أن نَتَيَمَّنَ به ونَحْلُمَ بِتَحَقُّقِه في زمننا، زمن الْمَواجِع، هذا الذي لا نَجِدُ فيه مكانا لِرَادِع، في غِياب القلب الذي حَلَّقَتْ عصافيره بِحَنَاجرها الفَوَّارَة، وَحَلَّتْ مَحَلَّه الحِجارة..
ما أَرَقَّ أنْ نَرْنُوَ إلى الحياة مِنْ عين محمد وخديجة! وما أَرْقَى أنْ نَتَعَلَّمَ مِنْ مَدْرَسَتِهِما!
نافِذَةُ الرُّوح:
- «اَلقَلْبُ يَبكي قبل العَيْن».
- «يَمَّمْتُ وَجهي صَوْبَ خَطّ اتجاه بَوْصَلَة القَلب».
- «عباءةُ الْحُبّ أَوْسَعُ مِن البحر».
- «رَطِّبْ صَوْتَكَ لِتَفْتَحَ بابَ الحياة».
- «حالِمة بالانعتاق أَكُفٌّ تَجْتَهِدُ لِتَسْمَعَ صَوْتَها قبل أن تُسْمِعَه».
- «اَلأَقْدامُ التي تَشُدُّ الخُطَى إلى جِبال الحقيقة لا يَنالُ مِنْها التَّعَبُ».
- «قُلْ لَهُ يا مَوْجَهُ: هَرِمْتُ، هَرِمْتُ غَرَقاً مِنْ أَجْلِ هذه اللحظة التاريخية التي أُقْنِعُ فيها العَقْلَ وأُنْصِفُ فيها القَلْبَ».
(لا سماء تَكفي الشُّكْرَ على الكلمات والشِّعر عبر نافذة القُرَّاء الأَسْخِياء.. على أمل احترام رغبتي في عدم رَدِّي على الرسائل، مع أرقّ تحياتي).
بقلم : سعاد درير

سعاد درير