كتاب وأراء

وَأَدُ الحَقِّ فِي مَشانِق الشُرفَاء والعُلماء


أصبحَ الصدعُ بكلمة الحَقِّ عارًا وشَنارًا في زمانِنا هذا، فقد شاعَ الظُلم والضلال أرجاءَ الكون وأصبحَ الحَقّ بضاعة مردودة على أصحابِها، تكافئُ بالقتلِ واللَجمِ والإبادَة، والنتيجة ماذا؟ انزواءٌ تامٌ عن مُعترك الحياة، مُعترك الأحداث ساخِنها وباردِها، والخضُوع لهذا الواقِع المرير، فالحَقُّ يحتاجُ في مسيره إلى أرضيَّة اتفاق وتفهُّم خضراء تُسَيِّر عبروه السليم إلى النور، لا إلى الظلام، عبرَ مشانِق ومعاوِل تُبتَر بِها العقول والألسِنَة والضمائِرُ معًا.
قارئي العزيز، لقد أخذتُ على نفسِي عهدًا غليظًا أن أترُك الكِتابة في ميدان السياسَة القذِر، إيمانًا مِنِّي أنَّ الكلمات التي ستُرسَل إلى قارئها في هذا الشأن لن تُقَدِّم ولن تؤَخِّر مِنَ الواقِع شيئًا، لكِن ما يحصُل في عالمنا الإسلامِي اليوم، واقعنا المريضِ المتهالِك هذا؛ جعلنِي أعُودُ عمّا أقصَيتُ نفسِي عنه، فما يحدُث اليوم أمرٌ يُبَشِّر بكُلِّ خيبَة وذُلّ ومهانَة، فالظالِم يتجَاهَلٌ تمامًا تدبير الجَبّار العزيز المُتعال وأنَّهُ لهُ بالمِرصاد، يتجاهَل ويتناسى ذلك ويتمادَى فِي بَغيِه وطُغيانِه، لكِنَّ الله يأبَى إلا أن ينصر دينه ويتِمّ نُورَه ويُعلِّي الحَقَّ ويدحَضَ الباطِل مهما طالَ الزمانُ وقَصُر.
إنَّ مُحاكمَة الداعِيَة سلمان العُودَة من قِبَل النِيابَة العامَّة السعوديَّة؛ وذلِكَ بمجموعَة من الاتهامات الغامَضة المُتعلِقَة بتصرِيحاتِه وارتباطاتِه ومواقِفِه السِياسِيَّة تُعتبَرُ فِي حَدِّ ذاتِها أكبر ضحكَة على الذقُون والشوارِب العاقِلَة والمُغيبَة على حَدِّ السَواء، ففِي الوقت الذي كانَ على هذه السُلطات المحترمَة أن تُخَلِّي سراح الشيخ الجَليل وغيرَهُ من المظلومِين والمنسِيين في غياهِب السِجن، قامَت باتهامِهِ بـ 37 تُهمَة مطاطَة باطِلة، مِنها: «الإفساد في الأرض بالسَعي المُتحرر لزعزعَة بِناء الوطن وإحياء الفِتنة العَمياء، وتألِيب المجتمع على الحُكَّام وإثارة القلاقل، والارتباط بشخصيات وتنظيمات واللقاءات والمؤتمرات داخل وخارج المملكة؛ لتحقيق أجندة تنظيم الإخوان الإرهابي ضد الوطن وحكامه، والتهكم والسخرية من الإنجازات الحكومية، والقدح في الوطنية والولاء للحكومة»! أهكذا يجِب أن تُكافِئ الأوطان أبنائَها الأخيار الأوفِياء؟، أم أنَّ جزاءَ الإحسان وتوجيه كلمَة الحق بهَدف الاستنارَة والتوجِيه صارَ عملًا إرهابيًا يُهَدِد الأمن والسِلم الوطَنِي ويستحِق صاحبَهُ عليه أن يُذَلَّ ويُخنَع وينكَسِر؟
بعضُ الحمقى والمعتوهِين لا يعلمُون أنَّ الخير باقٍ فِي هذه الأمَّة، رُغمَ كُلِّ شَيء، فبالرُغم من كُلِّ هذا الذُلِّ الكبير، مازالَ فِي هذهِ الأمَّة رجالٌ ونِساءٌ لم ولَن ينفضُوا عَنهُم الشرَف والعِزَّة والكرامَة؛ مهمَا هُدِدُوا ووقَعُوا تحتَ سِياطِ الجَلادِين وأحبالِ المشانِق ومعاوِل الجبَّارِين، ما زالَ بيننا أُناسٌ يخافُون الله، ويُؤمنون أنَّ الموتَ فِي سَبيلِ خَيرٌ مِنَ الموتِ ذُلَا وجُبنًا وقَهرًا. إنَّ تاريخَنا الإسلامي مليءٌ بقصَص البواسِل الأخيار، فالصِراع بينَ حِزب الرحمن وحِزب الشيطان قديمٌ قِدَمَ الدُنيا الفانِيَة هذه، فالظُالم كانَ ومازال موعُودًا بمَن يُرهِب قلبَه وأمانَهُ وحياتَه، يُزَلزِل الاستِقرار تحت كُرسِيه العَزيز الماضِي إلى زوال، هؤُلاء لن يمُوتوا أبدًا مهما جارَ عليهم الظالِم بظلمِهِ وجبروتِه، فهل يمُوتُ البوطِي مثلًا، الذي قالَ وهو مركونٌ في سجنِهِ المظلِم: «فوَالله لأمُوتَنَّ في حَديدي هذا حتى يأتِيَ قَومٌ يعلمونَ أنَّهُ قد مَاتَ فِي هذا الشأنِ قَومٌ فِي حَديدهم»، هذا مثالٌ واحدٌ فقط على آلاف الأمثلَة التي تملأ دفاتر التاريخ وتُعَبِّر عن مواقِف الشُرفاء والعُلماء المسلمين الذين صدقوا الله ولم يخافُوا فِيهِ لومَةَ لائِم وسطَرُوا التارِيخ بتضحياتِهِم وفدائهِم ودِمائهِم، ثابتِين وصادِعين بِالحَقّ.
يقول الدكتور ماجِد الأنصاري في مقالٍ لهُ بعنوان: (الإبادة السياسية هي السبب الأول للوفاة غير الطبيعية في العالم): «العالم العربي في تاريخه الحديث شهد حالات مؤلمة من الإبادة السياسية بدأت بجرائم نظام الاتحاد والترقي والإعدامات السياسية ضدَّ الناشطين العرب ثم جرائم الاستعمار ضد كل من سولت له نفسه دعم مشروع التحرر الوطني، ولكن اللافت هو الجرائم الضخمة التي ارتكبتها «الجمهوريات العربية» في العراق وسوريا ومصر وبنسبة أقل في تونس والجزائر، ومنذ سقوط الاستعمار تغولت هذه الأنظمة حتى أصبحت الإعدامات السياسية فيها واقعًا يوميًا معاشًا، وكلما ظهرت موجة ثورية أو حركة إصلاحية كانت المشانق لها بالمرصاد، فقتل الآلاف من الداعين للحرية على منصات الإعدام التي نصبها الطغاة في كل عصر، في سوريا والعراق كانت الحكومات العسكرية والانقلابات المتلاحقة مشغولة بإعدام المواطنين أكثر من انشغالها ببناء الوطن، وفي مصر استهل عبدالناصر عهد الثورة بإعدام معارضيه من الإخوان وغيرهم ليكمل من جاء بعده المسيرة على ذات النهج مع اختلاف الرايات، ولكن هذه المرة ليس الأمر حكرًا على الجمهوريات العربية، بل تنضم السعودية الجديدة إلى الركب، فبعد عام من الاعتقالات غير المبررة ليس للناشطين سياسيًا فحسب بل لكل من لم يكن متحمسًا بما فيه الكفاية للعهد الجديد يعلن عن محاكمات سرية أو غير ذلك يطالب فيها بالإعدام لرجال دين ونشطاء حقوقيين نتيجة قائمة من الاتهامات المضحكة، الرياض تطبق ذات السياسة التي انتهجتها جمهوريات القمع العربي، كلما أراد النظام تعزيز شموليته هرع إلى الاعتقال ثم الإعدام ثم يخفف بعض الشيء من حدة تعامله مع مواطنيه مع الإبقاء على السيف المسلط والتذكير عند الحاجة بوجوده عبر إعدام هنا وبعض الاعتقالات هناك». إذن نحنُ أيُّها الكِرام نعيش زمانًا مليئًا بالفِتَن المدلهمات، فالعُلماء الصادِحين به يُبادُون والعُلماء والخُبراء العارفين به يخافون الإفراجَ عنه والمنُطق بهِ مخافَة الموت والظُلمِ والإبادة، زمَنٌ، فقد زادَت الفِتن المهلِكَة وابتعَدنا عن شريعَة الله التي كانت وستبقَى سِراج حياتِنا المنير في كُلِّ زمانٍ ومكان، وأدَّى هذا البُعد إلى اتباعِ الهوى والضلال والبُعد عَنِ الفِطرَة السليمَة والعقل السليم، وفِي هذا يقولُ الحسن البصري: «إذا غلَبَ الهَوى على القلب؛ استحسَنَ الرجُل ما كانَ يستَقبِحُه»، فاتباع الهوى والمزاج والشيطان الداخِلي يُفقِد صاحبهُ بالبوصلَة الأساسيَّة فِي الهَدي الإلهِي؛ فتتعَطَّل عِندَهُ الحواسّ كلها، وتجدهُ كالمجنون والأحمق، لا يرى، لا يسمع، لا ينطق، إلا ما اشتهَى وأراد، ضاربًا بدروس التاريخ المليئة بالعِبَر؛ عُرضَ الحائِط، هؤلاء الطُغاةِ الذين جاروا ويجورون اليوم على آخر ثروات هذه الأمَّة، الشُرفاء والعُلماء الأخيار، سيبيدون أنفسَهُم فِي أقرَبِ الآجال، وسيتحَقَقُ فِيهم وعِيدُ العَظِيمِ الجَبَّارِ المُتعال: «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ».

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي