كتاب وأراء

أنموذج العبد والسيَّد

يمثل المدير أو الرئيس في أي منظومة إدارية المثال الأعلى والقدوة في الخبرة والعلم والأسلوب المتَّبع، فهو إلهام موظفيه وقودتهم الإدارية الأولى، والحقيقة أنَّ هذا الكلام قد أصبحَ باليًا لدرجة أنَّهُ يصعُب عليك معرفة المدير إلا من خلال ما يقوم بتوجيهه من أوامر رأسية لا يدخل فيها خط التفاعلية بين أخذ وردّ، بين إفادة واستفادة، بل الواضح للعيان أنَّ المدير الأنموذج لم يبق منه شيء في حياتنا المعاصرة.
فقد اختفى نموذج رَبُّ العمل الذي يقوم بالتوجيه والمتابعة والمراقبة وتقديم الثقة، وبقى مكانه أنموذجاً إدارياً متهالكاً لشخصية تنفيذية لا تعرف للقيادة شيئاً ولا يهمها بناء وسط طيب ومريح من التعامل الداخلي بين أبناء أسرته الإدارية (إذا صحَّ التعبير)، والحقيقة أنَّ هذا ينذر لشكل غير صحي من العلاقة المهنية التنموية التي لابُدَّ وأن تحتويها الرعاية التي تضمُ فيما تضُم قيمًا كثيرة تُثمر إلى ضرورة تبني الأنموذج الإداري القائد والسير والتطوير على نهجه.
وفي كل الأحوال لستُ ممن يلومُ طرفًا على حسابِ طرفٍ آخر، فكُل معادلة لها طرفاها الحيويان اللذان يساهمان في الوصول لذات النتيجة، فالحق أنَّ تأثري الكبير بكتاب حياة في الإداري للراحل المميز غازي القصيبي جعلت مني شخصًا لي مفاهيمي الإدارية الخاصة التي طورتها بناءً على ما اقتنعت به أولًا مما وصل إليَّ من إرث نظري نهلتهُ من كتب الإدارة المتفرقة وعلى رأسها عددُ نيِّف من كتب الراحل القصيبي إضافًة إلى مشاهداتي اليومية في حياتي العملية والتي قامت ببلورة تلك المفاهيم إلى حدّ الإيمان بها، والشاهد في الأمر أنَّ أعضاء كل منظومة إدارية يتدخلون بشكل أو بآخر بتشكيل بعضهم البعض، تأثيرًا وتأثُرًا، تصعيرًا وتعظيمًا وهكذا دواليك.
وإني لأعجب كُلَ العجب ممن يشكي تواضُعَ حال مسؤوله المباشر في الوقت الذي يقوم فيه بتلميعهِ وتظبيطه (كما يقولون) كلما كان بينهما لقاء، فأين رجعُ الصدى التي يحتاجها المدير قبل الموظف، أين صلاحُ البطانة التي تشتكي وتنُم وتمسح الجوخ في نفس الوقت، هذا هُراءٌ كبير، ولا وقت للالتفات لهؤلاء الذين تسببوا فيما تسببوا في خلق البيئة التي تحيط بهم دون أي مقاومة، فالمواربة ديدنُ هؤلاء، وتمسيح الأجواخ سبيلهم من أجل رضى (السيد/المدير) ومن ثمّ يشتكي ويتذمر في كل مكان على أعبائهِ الوظيفية الكبيرة التي يتكّبدُها في كل حين (كخادم وعبد لهذا السيد) وإني أعتذر عن استخدام لغة تكاد تكون جارحة، لكنها لا تستهدف إلا من أتوجهُ إليه في هذا الحديث!
إنَّ بيئة العمل الصحيّة هي البيئة التي تخلو تمامًا من الاشاعات والنميمة والضغينة والنفاق الإداري، فرأس أي منظمة لا يمكنه بأي شكل من الأشكال أن يتغلب على تحديات منظومته العملية يوميًا إلا من خلال فريقٍ داعم حقيقي، يتميز علاوة على مهاراته الإدارية بعدد من المهارات التي تجعله عنصرًا حقيقيًا لتحمل (أمانة) العمل التي تُحَتِّم عليه توجيه العناصر الأقل والأعلى؛ كُل بحسب القنوات المتاحة والمباشرة أمامهم والتي تجعل منهم كتلة قوية متنامية لا تحرق بعضها البعض، بل تقوم بعملية تقويم وتحديث وبناء، الأمر الذي سيساعد المدير/ ربّ العمل في تحقيق شكل الأنموذج الأجدر لقيادة العمل/ المشروع/ المركب نحو النجاح لذاته ولأرخبيل الموظفين الذين تضمُّهم معيته الإدارية، وبالتالي فمتى ما تخلى العبد أن يكون عبدًا خاضعًا لتحقيق الأوامر وتنفيذ القرارات، جعل الجميع سيدًا في مكانه وربًا صغيرًا في كينونته الإدارية التي تتطلب منه الأخذ والعطاء والمشاركة لا المنح والثقة لا الخيانة، والصراحة والصدق عوضًا عن تمثيل دور الضحيَّة المعبودة في الظاهر ولعب دور القطة المطيعة المبتسمة التي تمسح ذاتها في جوخ صاحبها، ويالها من ابتسامة درامية مصطنعة!
***
«لا تبتسم لطفل في الطائرة؛ إلا إذا كُنتَ تنوي قضاء الرحلة في ملاعبته!».
غازي القصيبي

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي