كتاب وأراء

شــعـــر أخـــرس

سِحرُ الأصابع لا يُضاهيه سِحر، وجَمال شَعْر الكلمات الخرساء لا يُعادِلُه جَمال.. صَدِّق يا صديقي أن ما مِن شَعْر أكثر إغراء وجاذبية ولمعانا مِن أذيال المعنى، وما مِن شِعْر أخرس أكثر قدرة على الإيحاء من الألوان التي يَبني بها الفنان صرحَ عبقرية فلسفة حياته وإحساسه..
مِن المتحف الألماني الحديث نَنْتَشِل لوحة باذخة المعنى، مهما آلَمَنا قَلْبُ المعنى، إنها قصيدة شِعْرٍ أخرس للفنان التشكيلي والشاعر الألماني كارل سبيتزويك CARL SPITZWEG..
مَشْهَد بائس يَتَصَبَّبُ حقارة تَرسم حدودَه الأصابع الشقية لفنان يَحمل قضية.. فنان هو لا يُمَوِّهُ مواقفَه، يَرسم رأيَه بكل الدقة التي يَقتضيها التعبير بالخطوط والألوان، ومِن ثمة يَروي تفاصيلَ موت الإنسان، إنه الموت الْمُحَقَّق مهما أَوْهَمَتْنا شِفاه الحياة بالعكس..
كارل سبيتزويك لا يَرسم مِن فارغ، ولا يَجُرُّ عربةَ ريشته الساحرة لِتَلْتَهِمَ المسافةَ الفنية دُون وَجه نِية.. كارل سبيتزويك سديد الرؤية التشكيلية، بعيد النظر القرائي ذاك الذي يَجعله يُحدد هدفَه ويَنطلق انطلاق الحصان الْمُمَرَّن على اجتياز حواجز التجربة وعبور مسافاة الحياة..
الفنان التشكيلي الحقيقي مَن يَحترم قارئَ اللوحة (لوحته) قبل أن يَنشرها على بساط الجدران تلك التي لا تَغيب عنها شمسُ إحساس الفنان بما يُرهِق قلبَه وذاته الْمُمَزَّقَة بين سندان الرغبة الشقية والظروف المعادِلة لِلمطرقة..
لوحة «الشاعر الفقير» للكبير كارل سبيتزويك نابضة بِشَظف العيش الذي يَثقب جِلدَ القلب فَيُرْديه قطعةً هامدة ما أن يَموت إحساس الناس به هو مَلِك الإحساس الذي لا تَكْفُر بحروفه الحواس..
حروف جَيَّاشَة العَطاء هي الألوان الْمُنْبَطِحَة انبطاحَ قصيدة خرساء.. هذا ما يَقولُه الشِّعر الأخرس لصاحبنا كارل سبيتزويك، إلا أن الشِّعر لا يُطعم خبزا ولا يَرحَم مِن وحشية سَوط الجوع، وحين يَكون الشاعر فقيرا، فإنه سيُصَيِّر حياتَه جهنم الثانية المتحققة على الأرض..
في لوحة كارل سبيتزويك تَقِفُ عند سقف مثقوب لا يَسمح بحبس قطرات المطر المتهاطلة شتاء، لذلك نَرى الشاعر البائس يحاول مقاومة التعرية الزمنية، فيَجتهد في أن يُرَقِّعَ الثقوب بمظلة منتصِبة لا يُعادلها إلا انتصاب الرغبة في القفز مِن جِسر الحياة إلى نهر السلام الأبدي ذاك الذي تَذوب فيه أحزانُ الناس وتَنْصَهِر فيه مآسيهم..
حَبْلُ الغسيل، هو الآخَر، يأخذ مكانه في الكوخ الضيق نفسِه ذاك الذي يَلوذ إليه الشاعر الفقير مُحْتَمِيا به من صقيع الخارج، ولا صقيع أكثر برودة من النَّفْس الأَمَّارة بِقَتل الإحساس..
يَتَمَدَّدُ الشاعر الفقير فوق فراش حقير لا يَليق بعَظَمة إحساسه ذاك الذي يُشَكِّلُ منه جواهره الفنية، لكنها عظمة يَتَقَلَّص حضورها قُبَالَةَ القذارة الطافح بها المكان..
موعد مع المجهول يَضربه الزمن الشعري لشاعر، بائس، خانَتْه بذلة الشِّعر تلك الْمُرَصَّعة بهوى عذري، تراءَى له كذلك، قبل أن تَفضح في المقابل سروالَ أحاسيسه الداخلي الْمُرَقَّع بالخيبة والغبن المنشورين تحت أغطية حافية القدمين لا تُسْعِف الشاعر للهروب إلى مدن الدفء..
الكوخ يَأخذ لونَ التراب الذي تَتَمَرَّغُ فيه كرامة الشاعر الغائب عنه حفظ ماء وجه كبريائه تحت سماء الذل والهوان وسِوى ذلك مما لا يَتحمل جَلْدَه إنسان..
على مقربة من سطح خزانة نصفية تغطي مَرْمَى فَوَران النيران، تلك التي يُعَوِّلُ عليها الشاعر للتدفئة، تَقف قنينة فارغة ويَجلس صحن يتيم ملحوس يوحيان بشيء مِن تاريخ جَيب مترهل خانَتْه قِطَعُه النقدية المستشهِدة في معركة الزمن الحالف ألا يُنهي ماضي الحرب النفسية مع مَن ألهاه الإلهام، والتضحية، عن الاغتسال تحت مطر السِّلم..
الزمن الخائن لا يَترك للشاعر الفقير سِوى قُبَّعة مُعَلَّقَة على عمود الحزن الذي يَنْغَرِسُ في قلبه، ويثرَبِّي الجذور، إلى جانب معطف مهترئ مُعَلَّق على جدار النسيان وشاهد على أيام زمان تلك التي كان فيها الشاعر قادرا على مَدّ الخطوة إلى الأمام..
ملامح وجه الشاعر الْمُمْتَقِعَة تَقُصُّ علينا حكايةَ المرض الذي أبى إلا أن يُقيم في ذات مبدِعة تتآكَل شيئا فشيئا تحت وطأة حذاء الحرمان.. كل خلية مما بان مِن جسد الشاعر تَحكي حكايةَ الدماء التي امْتَصَّها الوهن، فحَلَّ الشحوب، وساد الشَّجَن..
الكتب المنشورة على أرضية الكوخ البارد إحساسه بِسَيِّده تَعِدُ بمستقبَل غير مُشَرِّف يُلقي بأكوام الأوراق في فَمِ مدفأة لا يرحم، علها تُعيد إلى الشاعر شيئا من الضوء الذي يَسلبه الغياب..
لا ضوء هنالك سِوى بَصيص أمل أصابِع أَقْسَمَتْ أَلاَّ تُقْدِمَ على مُغادَرة طوعية تتقاعَد فيها عن الكتابة والتغطية لأخبار النَّفْس التي غادَرَها النَّفَس..
أصابع الشاعر العنيدة تَتَأَّهَّبُ لِتَكتب قصةَ حياة جديدة يُمَنِّي بها الشاعِر نَفْسَه في غياب ضوء الحياة الذي لا يُشَجِّعه على الرؤية..
ضوء الأصابِع الْمُكابِرة قُدَّامَ الورقة المستلقية باستسلام، على ظهر ركبتين مطوتين تُقاومان عوامل الإبادة، هو كُلُّ الضوء الْمُنْبَعِث مِن حُجرة الجسد الواهن ذاك الذي تَكاد تَتَعَذَّر رؤيتُه لولا شيء مِن الضوء المتسلل إلى قلب الكوخ مِن نافذة خلفية لا تتجاوز مساحتُها زاوية ممتدة بين شِبرين..
إنه الضوء الذي يَجعله صاحبنا كارل سبيتزويك يوحي لنا بشيء من الحياة الممتدة خارج أسوار الذات القابعة في هامش ضيق.. حياة مشتعلة يَحلم الشاعر الفقير بعناقها، لكن ساقيه الراقدتين قُبالَتَه تقولان له: وكيف؟!
عجز رمزي يُكَبِّلُ به كارل سبيتزويك شاعرا يَشقى في أرض العذاب تلك الْمُسَمَّاة حياة، لكن لا حياة لمن تُنادي.. مِن زجاج النافذة الْمُغْلَقة يتسلل إلى عينَيْ الشاعر الفقير المنطفئتين لون اشتعال حياة الآخرين أولئك الذين يَفتقرون إلى الإحساس..
الشاعر الفقير غني بإحساسه، لكن الإحساس ذاك يُعذبه تعذيب مَن اقترفوا خطايا أو ارتكبوا ذنوبا قَلَّما تُغْتَفَر..
ما ذَنْبُ الشاعر لتَجْلِدَه حياةُ الفقر والبؤس؟!
ذنبُه الوحيد يا صديقي هو شعلة الإحساس ذاك الذي يَشتعل في دواخله اشتعال جمرة حالفة ألا تنطفئ إلا بعد أن تَنطفئ حياتُه.. هذا الانطفاء يُفَصِّلُه الفنان كارل سبيتزويك على مقاس الرمزية، فما تَدل عليه المدفأة الْمُعَطَّلة في الكوخ يُوحي بسقف الحياة الآيل للسقوط في انتظار مرور تَيَّار الحرارة الْمُتَعَذِّر، مع أن حصاد الشاعر الإبداعي مِن أكوام الأوراق المتأهبة لاحتراق لا يَشفع له لِيَحْظَى بشيء من الدفء..
تجربة الشاعر ثمارُها تَذبل وهي تَشْرَئِبُّ مِن نافذة فَمِ المدفأة حطبا لنار الحنين التي تَأكل السنين وتَسرق قرصَ شمس الأمل في غَدٍ تَنبض غَمَّازتا شفتيه بابتسامة الغواية التي تَسحر الرائي..
لكن لِمَ تُضْمِرُ الأوراقُ رغبتَها في معانقة حطب الدفء؟!
ألا تَبدو لنا وكأنها تَرفض الانغماس في شهوة النار؟!
أم هذا لأنها لا تَنفي حقيقةَ كونها حُبْلَى بالأسرار؟!
أليست الأوراق كاتمة أسرار الشاعر؟!
أم أنَّ احتراقَها يُعْلِن انطفاءَ مصباح المشاعر؟!
الإيحاء بموسم انطفاء الحياة تَنفخ في نار دلالاته قطعةُ الحذاء اليتيمة تلك الهاربة مِن زوجها، لماذا؟! لأن كارل سبيتزويك يُريد أن يَقول لنا إن الشاعر الكسيح لا يَقوى على المضي قدما إلى بوابة المستقبَل بقَدَم واحدة..
القدم الواحدة لا تُصَفِّقُ لحياة الخطوة.. وقطعة الحذاء الْمُلْقاة جانبا يُريد بها كارل سبيتزويك أن يوحي بتَعَطُّل لُغة القَدَم الأخرى تلك التي ليس الشاعر في حاجة إلى أن يَحتفظ لها بحذاء مادامت مفقودة.. الفقدان يُزَيِّنُه لنا كارل سبيتزويك بلمسات الشيطان عبقر الشِّعر الأخرس..
إنه الرسم بأصابع شاعرة بوَرطة المبدِع مَلِك الإحساس في زمن جافّ لا يُعطيه الحق في الحياة كغيره من الناس..
ضريبة ملكية الإحساس باهظة، ومُرْهِقَة للجيب والقلب.. ضريبة ملكية الإحساس مفتاحُها عدم الاعتراف بوجودك رغم وجودك..
هذا ما يُكابده الشاعر الفقير ولسان حاله يَقول: هَرِمْتُ، هرمتُ مِن أجل هذه اللحظة التاريخية التي لا يُقطَع فيها رأسُ الإحساس مهما قطعوا فيها رأس حياة الشاعر..
لكنها الْمُكابَرة مرة أخرى لا تَسقط كلمتها، ولا يرمز كارل سبيتزويك إلى هذه الْمُكابَرة إلا بالعصا المستندة إلى الحائط الأيسر من الكوخ القَذِر.. هي تلك العصا التي يُداوي بها الشاعر وجَعَ الفقدان لِقَدمه الثانية تلك التي تَجعل مهمةَ الحياة صعبة في غيابها.. لكن لِنَقُلْ إنها سلطة الإيمان بقوة النفْس، ولْنَقُلْ أيضا: إنه مقص التحدي ذاك الذي سيَحُلُّ ما تَمَّ ربطه وعقده مِن حبال تُقَيِّدُ الأنفاس..
كل قِطعة طُوب (أو حجر عثرة) يَبنيها الزمن فَخًّا للشاعر الفقير ستتبدد وتتلاشى مادام في النفْس شيء مِن «لا»..
شيء مِن الرفض حِكمة.. وعدم الاستسلام لا يَحتاج للتعبير عنه إلى كلام مادامت لغةُ الجسد قوامة بالواجب..
فَلْتُمْطِرْ إحساسا سماءُ لوحة شاعرك الفقير يا كارل سبيتزويك..
هو ذا كارل سبيتزويك الكبير بذوقه وإحساسه، كان هو ومازال الوجهَ الآخَر لفاكهة الرومانسية الحالمة هو الهارب من قميص رَجُلِ الصيدلة وروائح الأدوية إلى حديقة الشِّعر الوردية ومُحْتَرَف الرسم بألوانه الْمُغْرية..
لا يُحس بآلام المبدِع إلا المبدع، ولا يَنهار أمام سرير بَوح قصيدة خرساء إلا بيت قصيد من لحم ودَم.. هكذا نحن صُناَّع الجُنون اللذيذ، نَضُمُّ الصرخةَ إلى الصرخة والجرحَ إلى الجرح والرغبةَ إلى الرغبة، نُشَيِّدُ عالَمَنا الثالث ذاك الذي يَحار في معماره الروحي الإنسُ والجِنّ، نُلْقِي بنفوسنا في بحر الإحساس عُراةً من نية الانقياد للمصلحة التي تَستعبد الناس، ولا نُفكر في إلقاء طُعم أو نَصب مصيدة لانتزاع مُقابِل مَهْما تمكن الزمن الْمُرّ مِن لَيّ أعناقنا وكَيّ ظهورنا وشَيّ أنفاسِنا..
كارل سبيتزويك الشاعر الأخرس يَجِدُ نَفْسَه في شاعره الفقير، وشاعرُه الفقير الْمُتَشَظِّي حرقة على أيامه الهارب منها الطَّعم أَجِدُ نفسي فيه أنا الشاعرة بمعاناة الشاعِرَيْن اللذين أقاسمهما لوعةَ الاحساس باللحظة الوجودية العمياء.. إنه الإحساس الْمُتَدَحْرِج كالكرة مِن قلب إلى قلب..
لا يَشعر بالشاعر إلا الشاعر، وبين الشاعر الأخرس كارل واللوحة الشاعرة المجسَّدة في الشاعر الفقير وذاتي التواقة إلى لملمة إحساسهما المتفجر كينبوع ماء خانَتْه مُلوحة التجربة، كُلٌّ مِنا يَجِدُ نَفْسَه في الآخَر..
بِقَدْر ما تَضبطك ساعةُ الإحساس على عقاربها ستَفْهَم شِعْرَ الآخَرين، مادام الشِّعر لا يَخرج عن عُلبة شوكولا بِطَعم الإحساس..
أَلَذُّ الشوكولا وأغْلاها أَمَرُّها.

بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير