كتاب وأراء

مـصـطـلـحـات مـضـلــِّـلــة

تجري حكومة ما «اسـتفتاء» على موضوع ما، وهذا يعني أن تسـأل الناس جمـيعاً أن يقولوا «لا» أو «نعم» لأمـر ما، وهذا طبعاً مختلف عن الانـتخاب وعن «استطلاع الرأي» ففي هذا تؤخذ عينات عشـوائية لقياس توجه الرأي العام. وعندما يتم الاسـتـفـتاء على الدسـتور مثلاً، يُطلب من كل مـواطن ومواطنـة أن يقـبل أو يرفـض. ومازالت بريطانيا تعاني من تبعات الاستفتاء الذي أجرته تيريزا ماي رئيسة الوزراء للخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكزيت). ما نلاحظه من الاستفتاءات في بلادنا يكشف أن نسبة كبيرة من الشعب يذهبون إلى الاستفتاء (إن ذهبوا) بناء على آرائهم الشخصية، فهل شعوبنا مؤهلة لهذا؟
إذا كان خريج محو الأمية يعتبر متعلماً فكيف سـيُسـتـفـتى؟ من الإحصائيات الشـائعة جداً أن متوسـط ما يقرأه المواطن العربي صفحة واحدة سـنوياً، فكيف سـيقرأ هـذا المواطن دسـتوراً قـد يصل إلى مائة صـفحة مـن المواد الـقانونية الـتي تصارع الخبراء أياماً على كلمة وأحياناً على حرف منها؟ وهل سيفهم؟ أقترح بدلاً من ذلك أن يُدعى المواطنون إلى انتخاب جمعية وطـنية موسعة، تدرس الدستور وتناقشه، فتقبل وترفض وتعدّل. إن الشعب ينتخب ممثليه في البرلمان، فيصدرون القوانين التي تنظم حياته وتؤمن له الاستقرار والرفاهية، فهل يدعى الشعب للاستفتاء على كل قانون؟
والشـيء بالشـيء يذكر، تحـول انتخاب الرئيس في بلـدان عربية كثـيرة إلى اسـتـفتاء لغياب المرشـح المنافس: هـل توافق على تولي فلان الرئاسـة؟ ويكون هذا الفـلان رئيسـاً، فـتوضع أجهزة الدولة في خدمته، ويكون الاستفتاء إجبارياً ومراقباً، فتكون النتيجة 91 % للإيحاء بالنزاهة، بل إن أحد الأنظمة الجمهورية لم يجد حرجاً في تسمية هذا الاستفتاء «تجديد البيعة» ونظام البيعة والمبايعة من سمات النظام الملكي.
يدور صراع داخلي في بلـد ما، فـيقول كثيرون: إن الحسـم العسـكري غير ممكن، ولا بديل عن «الحل السـياسي» وقد تـنـشـب حرب بين بلدين وتطـول، ويـبدو كل منهـما عاجـزاً عـن إحراز النصر، فـتـقول الدول الكبرى: لا بد من المـفاوضات للوصول إلى حل سـياسي، ولا يتعب أحد نفسـه بشـرح هذا الحل السـياسي: في الحروب الأهـلية مثلاً، هل هو في التقسـيم أم في الاتحاد الفدرالي؟ لقد أحسـن العرب صنعاً حين وضحوا السـلام الشامل والعادل الذي يطالـبون به، وإلا لكانت إسـرائيل قـبلـته وفـسرته عـلى هـواها، كما فسـرت القـرار الأممي الشـهـيـر 242، وتاه الجـمـيـع بسـبـب «ال» الـتعـريف، هـل هي «الأراضي» المـحـتـلـة، أم «أراض» محتلة، وصارت هذه اللعبة مكشوفة تلعبها دول كثيرة، إذ تتظاهر بقبول القرارات الدولية، ثم تبدأ بخرق هذه القرارات حتى تصير الخروق أكبر من الجسم، والأمثلة كثيرة.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين