كتاب وأراء

خطاب الهوية الوطنية

ما هي تأثيرات «المد العولمي» على مجتمعاتنا ؟
نظم مركز ابن خلدون للعلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة قطر، حلقة نقاشية بعنوان: «المجتمع القطري وسؤال الهوية»، وكان السؤال المحوري للحلقة النقاشية: كيف يمكن التوفيق بين الهوية الوطنية، والقومية، والإسلامية، لدى الفرد القطري؟ وقد شارك في هذه الحلقة نخبة من المفكرين والباحثين والأكاديميين، وحضرها جمع من أعضاء هيئة التدريس والطلاب والجمهور.
تأتي هذه الحلقة النقاشية حول خطاب الهوية الوطنية وعلاقتها بالهويات الأخرى العابرة لحدود الأوطان: القومية والإسلامية والإنسانية، في سياق محورين هامين تمر بهما المجتمعات العربية والإسلامية عامة، ودول الخليج خاصة، على امتداد العقود الأخيرة، هما:
الأول: التأثيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمد العولمي، على الهوية الوطنية والتي هي في النهاية، محصلة عناصر مختلفة متشابكة، من الدين واللغة والقيم والمفاهيم والعلاقات الاجتماعية والعادات والتقاليد إلخ.. وهناك نظرات خليجية متشائمة تستشعر الفزع على الهوية الوطنية والخليجية في ظل هذا الطوفان العولمي من جهة، وهذا السيل البشري التسونامي المتدفق إلى دول الخليج من بلاد الفائض السكاني، ودول الصراعات والحروب والمجاعة، من جهة أخرى. ولا شك أن هذه المخاوف على الهوية الوطنية، مخاوف مشروعة، والمد العولمي والطوفان البشري، لهما آثارهما الكارثية وتداعياتهما السلبية ونتائجهما ووطأتهما الثقيلة على الهوية والثقافة والسلوك والمظهر الحضاري، وعلى كفاءة المرافق والخدمات التي تنوء بأحمالها وعلى الجودة النوعية للحياة الخليجية، ويشكلان تحدياً كبيراً أمام مجتمعاتنا ودولنا ومثقفينا، كما يتطلب علاجاً حكيماً وفاعلاً من حكوماتنا، عبر سياسات وإجراءات بصيرة تستشرف المستقبل، انطلاقاً من مسؤولياتها عن ضمان أمن الخليج واستقراره ورخائه، وتأمين مستقبل الأجيال القادمة، بهدف تحجيم الآثار والتداعيات السلبية للعولمة من جهة، والتسونامي البشري المدمر من جهة أخرى.
الثاني: إن مشكلة الهوية الوطنية ليست في إشكالية التوفيق مع الهوية القومية والإسلامية، فهذه إشكاليات الستينيات والسبعينيات التي كانت نار وطيسها حامية بين القوميين والإسلاميين، تجاوزناها اليوم، الاختلافات بين الهويات الوطنية والقومية والإسلامية اختلافات تنوع وإثراء، لا تناقض وتضاد، فالإسلام قضية وجود والقومية قضية حدود، طبقاً للمفكر الإسلامي الكبير أحمد كمال أبو المجد، لأن الوحي بما هو عقيدة وشريعة هو الذي بلور هوية هذه الأمة، بينما القومية العربية، حركة سياسية تهدف إلى جمع الأمة الواحدة في كيان سياسي موحد.. كما أن القومية شعور، وتعبير عن الانتماء إلى أمة تجمعها لغة واحدة، وهذا الانتماء واقعة اجتماعية ونفسية ذات جذور تاريخية، وتعلق الإنسان بأسرته أو قبيلته أو عشيرته أو وطنه أو أمته، إنما هو من قبيل المشاعر النفسية الطبيعية التي لا تتعرض لها الشرائع بحكم أو موقف، ولا حتى لصاحبها سلطان عليها، ولنتذكر حنين عليه الصلاة والسلام المستمر إلى وطنه مكة المشرفة وهو في دار الهجرة، أما الإسلام فدعوة شاملة ونظام مستوعب للحياة، ووضعه في مقابل الوطنية والقومية، والحديث عن تناقضها أو توافقها، حديث لا معنى له أصلاً.
تأزم الهوية الوطنية، في يومنا، لا يرجع إلى القومية أو الإسلام، وإنما يرجع إلى طغيان الهويات الأدنى: القبلية والطائفية والعشائرية التي تقوض مفهوم المواطنة الحاضنة للمواطنين بغض النظر عن أصولهم العرقية وانتماءاتهم المذهبية والدينية، وتفتعل تمايزات، بهدف استحواذ فئة على المغانم وحرمان أخرى، هي التي فرقت العرب إلى فرق وجماعات ومذاهب وطوائف وميليشيات متناحرة، وأنتجت هذا البلاء العظيم الذي حل بساحتهم، فواجع وفظائع لم تعرفها البشرية، راح ضحيتها ملايين الأبرياء: قتلوا وشردوا وهجروا وسقطت أوطان، ودمر ونهب الإرث الثقافي التاريخي في العديد من البلدان، وفساد كالجبال، وأحيت أسواق للنخاسة والتجارة بالبشر، هذه هي مشكلتنا الحقيقية.
ختاماً: لا هوية نقية، والهوية ليست نسقاً مغلقاً بل محصلة تراكمات تاريخية، وتفاعلات ثقافية بفعل المد العولمي، هويتنا تعولمت، فأنت تأكل الطعام الأميركي وتقيم في الفندق الأميركي وتحمل الشهادة الأميركية وتتحدث الإنجليزية.. سعد البازعي: «انفتاح هويتنا على الثقافات الإنسانية يثريها»، ولا يعني ذلك ذوبان الهوية أو هجنتها، فالهوية -أي الخصائص المتميزة لأي أمة أو شعب- كالبصمة الوراثية، لقوله تعالى: وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا.. وقوله تعالى: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة.

بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري