كتاب وأراء

مــقــتــطــفــــات صــحــفــيـــــة

• لا أدري إلى متى سيستمر الكتاب في هذا الخطأ الشنيع، حين يقتبسون من التراث (أو يزعمون هذا) فيسيؤون أكبر إساءة إلى تراثنا الأدبي العظيم. كتب أحدهم «الشاعر البدوي القادم من قساوة عيش الصحراء والذي توجه إلى بلاد الشام، إذ دخل على ديوان الخليفة عبد الملك بن مروان وبادره بقصيدة «مدح» تقول:
أنـت كالكلــب في الأمـانة للنـاس
وكالجحش في احتمال الخطوب
فهجمت عليه حاشية الخليفة لقتله ولكن الخليفة منعهم من ذلك وقال لهم: «لا تضربوه بل أدخلوه في ضيافة بني أمية لفترة معينة ليكتسب رقة القصور ورغد العيش». وبعد أن تطبع الشاعر بالجو الجديد المرهف رقت مشاعره فأنشد الخليفة:
خطرات النسيم تجرح خديه
ولمــس الحريــــر يدمي بنانـه»
خلط هذا الدعي قصصاً متباعدة، وأشعاراً لا صلة بينها، وشوه الشعر واللغة والتاريخ. أما الشاعر البدوي الذي يتحدث عنه فهو علي بن الجهم (188هـ - 249هـ/802 م – 863 م) ولم يدخل على عبدالملك بن مروان، بل على الخليفة العباسي المتوكل (205 – 247 هـ / 822 – 861 م) والقصة مشهورة، لكننا نذكّر بها لطرافتها وجمالها، ولأنها دليل على تأثير البيئة التي يعيش فيها الشاعر، إذ أنشده:
انت كالكلب في حفاظك للودّ
وكالتيس في قِـراع الخُطوبِ
وفعلاً همّ الحاضرون بالفتك به، لكن المتوكل منعهم، وأمر بأن ينزلوه في أحد قصور الخلافة، وعاد بعد ستة أشهر فأنشد واحدة من أجمل قصائد الغزل، مطلعها بيت من أجمل أشعار التغزل بالعيون:
عـيـون المهـا بـيـن الرُصـافة والجـسـر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فمن أين أتى هذا المتفاصح بهذه الأشعار؟ والجحش الذي ضرب به المثل في الاحتمال لا يسمى «جحشاً» بل حماراً، أما الجحش فهو صغير المهاة. والبيت الرقيق الذي أورده الكاتب يرد في شعر عبد الجليل الطباطبائي من القرن التاسع عشر الميلادي، ويرد أيضاً في شعر عبد الـلـه الشبراوي وهو من شعراء القرن الثامن عشر الميلادي، وهو ليس بيتاً واحداً، بل الشطر الأول من بيت والشطر الثاني من بيت آخر. أرأيتم تشويهاً للتراث أكثر من هذا؟
• أراد أحد كتاب المقالات المشهورين جداً أن يتفاصح لغوياً فقال «لم يفقد الجواد الأصيل اعتباراته القديمة، لأنه تحول إلى رمز للفروسية المشتقة من اسم أنثاه» والخطأ هنا في أن الفرس كما في المعاجم كلها «الفرس: واحد الخيل، والجمع أفراس، الذكر والأنثى في ذلك سواء، وقال سيبويه: تقول ثلاثة أفراس، ولكنهم ألزموه التأنيث حتى صار للمؤنث أكثر منه للمذكر» قال أبو فراس الحمداني:
أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى ولا فـرسـي مُـهـْـرٌ، ولا ربـَّه غـَمــرُ
• قرأت لكاتب كان صحفياً ثم صار نجماً تليفزيونياً «قابلته صدفة في أحد شوارع العاصمة المكتضة» وهنا أخطأ مرتين في جملة من خمس كلمات، فلا وجود لكلمة «الصدفة في المعجم العربي، بل هي «مصادفة» وكل ما نقرأه وفيه «صدفة» خطأ. والخطأ الثاني أنه قال «المكتضة» وهو يعني «المكتظة» وأعتقد أنه خطأ طباعي، ولا وجود لكلمة «مكتض» في المعجم العربي.
• «تنوعت إجابات الأصدقاء على سؤالي»، «العينة التي أجابتني على سؤالي»، «هذا سؤال يحتاج إلى الكثير من البحث للإجابة عليه» هذه الجمل الثلاث وردت في مقال واحد، وهذا يعني أن الكاتب مصر على أن «أجاب» يتعدى بحرف الجر «على» عيب والـلـه أن نضطر إلى التذكير بما كان طلاب الإعدادية يتعلمونه: أجاب عن، ورد على.
• نبهنا كثيراً إلى الخطأ الشائع في استخدام «خاصة»، فلا نقول: إن على العرب وخاصة الفلسطينيين، بل نقول: إن على العرب عامة والفلسطينيين خاصة، وقلنا إننا نستطيع الاستثناء بكلمة «لاسيما» والحقيقة أنها ثلاث كلمات تصنع كلمة واحدة للاستثناء، ويصنفه اللغويون على أنه «شبه استثناء» فلا نقول: أحب القراءة وخاصة في الليل، بل نقول: أحب القراءة ولا سيما في الصباح، وكلمة «لاسيما» مكونة كما قلنا من ثلاث كلمات: لا النافية للجنس، سيّ وتعني مثل، ما: وقد تكون زائدة وقد تكون اسماً موصولاً. والخطأ الذي نلاحظه أحياناً أن بعض الكتاب يأتون بكلمة «سيما» بينما يقول اللغويون إن تشديد الياء في «سي» واجب، وكذلك سبقها بالحرف «و» وقد تخفف الياء في «سي» أما حذف «لا» فلم يرد في كلام من يُحتج بكلامه، كما يقول العلامة مصطفى الغلاييني.
• أعادتني جملة في مقالة لكاتب – هو في الواقع نجم تليفزيوني – إلى مبحث أرى ضرورة العودة إليه، ذلك هو الجزم بالطلب، قال هذا الكاتب «دعونا نكون واقعيين» واستعمال فعل «دع» هو الأشهر، ولكنه ليس الوحيد، إذ يمكن القول مثلاً «إعملْ خيراً تلقَ خيراً» ونتذكر قول طرَفة بن العبد في معلقته:
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي فدعني أبادرْها بما ملكت يدي
وكثيراً ما نسمع من المتحدثين «دعونا نقول» وهذا خطأ شائع، والصحيح «دعونا نقلْ»
• أورد أحد الكتاب في صحيفة مشهورة «فأتورط في أسئلة إن تُبدَو لي تسوءني» وقد رسم الحركات فوق الحروف (شكّلها) كما أوردتها. هذه الجملة اقتباس من الآية الكريمة «يا أيُّها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياءَ إن تُـبْـدَ لكم تسُؤْكمْ» وهي الآية 101 من سورة المائدة، وهي مشهورة عند النحويين واللغويين لأنها الدليل الوحيد على منع «أشياء» من الصرف، بينما يصرف كل ماهو على وزنها: أنباء، أرجاء، أنحاء، أبناء، وهكذا، وهي أيضاً مثال واضح على «إن» الشرطية التي تجزم فعلين مضارعين، والأول «تبدى» المبني للمجهول، والثاني «تسوء» وقد جزم الاثنان بحذف حرف العلّة، فصار فعل تبدى تبْدَ، وصار فعل تسوء تسؤ، أما الطريقة التي كتب بها الكاتب الفعلين فدليل على أنه لا يفهم القاعدة، وأنه يهرف بما لا يعرف.
• ذات يوم عمل معنا في الإذاعة أحد الأدعياء محرراً إخبارياً، وصاغ خبراً أورد فيه «كفؤين» على أنها جمع «كفء» ونبهوه إلى هذا، فقال بغرور أجوف «ولو! جمع كفء كفؤين، يا عمي اسألوا» وسألني الزملاء ثقة منهم بلغتي جزاهم الله خيراً، فقلت إن كفء لاتجمع إلا على أكفاء. تذكرت هذا عندما قرأت لكاتب يجر وراءه أكثر من نصف قرن من الخبرة الصحفية «عندما أصبح الهنود عمالاً، غالباً غير كفؤين» ما نفع هذه الخبرة إذا كان يخطئ مثل هذا الخطأ الفادح؟
• أحد الكتاب المحررين نشر مقالاً بعنوان (حديث «سطحي» على المقهى) واستهل مقالته بالقول»كنا مجموعة من الأصدقاء على مقهى» أي إنه مصر على التعبير، ولو أنني لا أعرف الكاتب لقلت فوراً إنه مصري، لأن هذا التعبير من العامية المصرية، ولا يستخدم خارج مصر. لسنا ضد الاستعانة بالعامية، ولكن ليس بهذه الطريقة.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين