كتاب وأراء

قصيدة دموع أنتِ


إحساس عارِم يَقُودكَ إلى مُدُن الحنين الْمُعَلَّقَة حدائق شِعرها، إحساس يُطَوِّقُكَ كخيوط الشمس التي تُداعب عينَيْكَ ما أن تَلمحَ فيه شيئا مِن شُعْلة الضوء تلك التي تُغْرِي عابرَ جُسور الحَرف بِوَصْل..
هذا الإحساس بِثَوْرَتِه الدفينة يُمْلِي عليكَ أن تُفْسِدَ خُلْوَةَ عالَم الشُّعراء الحالِم، ومن ثمة يُحَرِّضكَ في كل مرة على اقتطاع شيء من كعكة الشِّعر لِتُدَرِّبَ نَفْسَكَ على التَّفَنُّن في تَذَوُّقِه، أنتَ، أنتَ الذي تَتَلَذَّذ بِمُجاراة الرِّقَّة الْمُنْفَلِتة تلك التي يَسقط ثوبُها عند باب عُيون القلب..
بُرتقالة مُرَّة هي الدموع، لكن لِمَ لا نُجاري الشَّقِيَّ نزار قباني ونحن نَرى قواربَنا تتهادى على موج بحر الرغبة في قطف برتقالة طازجة مِن شجرة قصائده الواعدة بنشوة، وأيّ نشوة؟! إنها النشوة الفنية تلك التي لأجلها يَعبُرُ القارئ الذَّوَّاق قاراتِ الكُرة الشِّعرية..
بالدموع يُمْطِرُنا غيمُ نزار، وعنها يَحكي لنا صاحبُنا حين يَراها تَتراقص كسِرْب اللؤلؤ في صفحات وجوههن الرقيقة، وتُزَيِّن لنا تفاصيلَ الحقيقة: فهذا بُكاؤهن لغز عَصِيّ وسِرّ، لكِنْ يَزْدَدْنَ حَلاوةً هُنَّ حِينَ يَبْكِينَ..
نِزار، حاصِد البطولات في قراءة الأسرار، وفَتى أحلام النِّساء الْمِغْوار، يُصَرِّحُ بأن النساءَ أجملُهُنَّ الباكية العينين، وأحلاهن الجاري دمعها على الخَدَّيْن:
»إِنِّي أُحِبُّكِ عندما تَبْكِينَ
وَأُحِبُّ وَجْهَكِ غَائِماً وَحَزِينَا،
اَلْحُزْنُ يَصْهرنا معا ويُذيبُنا
مِنْ حَيْثُ لا أدري ولا تَدْرينا،
تِلْكَ الدموعُ الهامياتُ أُحِبُّها
وَأُحِبُّ خَلْفَ سُقُوطِها تِشْرينا،
بَعْضُ النساءِ وُجُوهُهُنَّ جَمِيلَةٌ
وتَصِيرُ أَجْمَلَ عِنْدَما يَبْكِينَ»
نزار قباني، كتاب الحُبّ).
كلمات، كَتِلْكَ، تَضُخُّ الكهرباءَ في الروح، وتَلْتَئِمُ بِلَمسة أصابعها الجُروح، على أننا نَتساءل ونَحْنُ مُتَوَجِّسُون خِيفَةً مِن أن يَكونَ نزار قد قالها لغير بلقيسه الحنون، بلقيس حارسة مَعْبَدِه وقدِّيسته الكبيرة في عيون تُراوِغ أمثالَه مِن الساهرين على بَيْع الجُنون..
لكن لماذا نَسْتَحْضِر بلقيس دُون سِواها؟!
ما كان ذاك إلا لِسَبَب واحد هو أنَّ الشاعر أهداها كِتابَه، كتابَ الحُبّ ذاك..
لكن هل كان الشاعر مُتَعَوِّداً على أن يُهْدِيَ زَوْجَتَه نِيرانَه وشظاياه تلك التي أَلْهَبَتْهُ بها نساء أخريات؟!
أم تراه يُريد هو الشاعر الداهية أن يَتَّخِذَ الإهداءَ قِطعةَ حلوى يُسْكِتُ بها شَكَّ امرأة واعية تُقاسِمُه سفينةَ الحياة الثنائية؟!
بالتالي، ألا يَسْتَقِيم التخمينُ الأخير، أكثر فأكثر، مع رُوح النص القصير الذي يَطْبَعُ قُبلةَ اعترافٍ على رأس المرأة الباكية تِلْكَ التي قد تَكونُ هي نفسُها بلقيس جَنَّته الثانية على أرضِ غير الشِّعر؟!
ما قُلنا هذا الكلام إلا لِرَفْع الالتباس، لماذا؟! لأن بَيْنَ دمعة وأخرى ما بين الحاجب والعين.. صَحيح أن المسافةَ بينهما قريبة، لكنهما لا يلتقيان في خط اتجاه واحد أو يقفان تحت مظلة تركيبة واحدة..
مِن الطبيعي أن تَرى امرأةً باكية يا صديقي.. لكنْ شَتَّانَ بين بُكاء وبُكاء.. فهُنَاكَ مَنْ يَجْرِي نَهْرُ عينيها بَعد أن يَبْكِيَ القلبُ وتَشْتَعِل أحجارُه الفَوَّارة لِتَبُوحَ بما يَخْتَلِجُ الروحَ مِنْ ألم وَمَرارة، وهُنَاكَ مَن لا تُمْطِرُ عيناها إلا في مَوسم المصلحة الْمُخَطَّط لها رغبةً في اصطياد الرَّجُل بِطُعْم الملح المنثور دَمْعاً..
أفلا تَكون، بَعْدَ هذا، دموعُ بلقيس ثورةَ احتجاجٍ؟!
لِمَ لا نُرَجِّحُ الكَفَّةَ التي تَقول إن استيقاظَ مَرَدَةِ شَكِّ بلقيس في حقيقة ما تُخْفِيه أنفاسُ نِزار، لا أصابِعه، صَيَّرَها يَنْبُوعَ دُموع لا تَجِفّ صَرْخَتُه الأَمَّارة بإِقْرار هو الذي لا يَجِدُ أمامَ براءةِ دُموعِ امرأةٍ يُحِبُّها إلا أنْ يَنهار؟!
أَتَكُونُ بلقيس قد تَذَوَّقَتْ شيئا مِن غِسْلِين الغِيرة وزَقُّومِها بعد أن كَشَفَتْ حقيقةَ ما قَضمَهُ نِزارها مِن تُفَّاح جَنَّةِ شِعره الْمُحَرَّم، فأبَتْ إِلاَّ أنْ تُجَرِّعَه شرابَ سُكَّر الخَطايا الْمُرّ، ذلكَ السُّكَّر الذي تَعْتَصِرُه العَيْنُ دَمْعاً؟!
أَلَيْسَ لهذا يَجْتَهِد نزار في أن يُداوِيَ شيئا مِن الانكسار، انكسار بلقيسه قُبالةَ عَظَمة جريمة العشق الممنوع؟!
على أن مُداواته لوجع بلقيسه تَأتي في صورتين:
- مَرَّة مِن خلال تتويجه للمرأة الباكية بِلَقَب رَبَّة الجَمال.
- ومَرَّة أخرى مِن خلال إهداء يَتَصَبَّبُ دَهاءً:
«إلى زوجتي الغالية بلقيس رفيقة العُمر ورفيقة الشِّعر» (نزار قباني، كتاب الحُبّ).
إن العينَ الثالثة تُحَدِّثُنا بأن الشاعر ليس مُجَرَّد بَطَل في سِباق الشِّعر، إنما هو بَطل كذلك في سِباق الدَّهاء، ولهذا وَجَدْناه في إهدائه يَقِفُ عند بابها (بلقيس) متيمِّنا طالبا البركة والصَّفح ولسان حاله يَقول: ليس على الشاعر حَرَج..
لهذا وذاك، رَأَيْنا الشاعر يُجِيدُ تَأَمُّلَ مَشْهَد النساء الباكيات، ويُقَدِّمُ في ذلك أَرْوَع القراءات، إنهن النساء اللواتي لا يَخْرُجْنَ عن القبيلة التي تُختَزَل في امرأة واحدة تُسَمَّى بلقيس، بلقيس المرأة الوطن..
لَوْ تَصَفَّحْتَ «كتابَ الحُبّ» يا صديقي، ستَنْتَبِه إلى أنَّ الْمَقْطَع الذي خَصَّصَه نزار للمدح والثناء على جميلاته الباكيات هو أَصْدَق مَشْهَد درامي يَتَسَلَّل إلى قَلْبِك دون أن يَكونَ في حاجة إلى استئذان..
في «كتاب الحُبّ» ستَطْرَب بمقاطع شِعرية، كما ستُصِيبُك أخرى بالنُّفور والتقزز ربما لتَمادي نزار بإصرار في تَسَلُّق نخلة الجَسَد الأنثوي، لكنْ أَتَحَدَّاكَ ألاَّ تَقِفَ مُعْجَباً بصراحته وهو يَمْضي في استنطاق قَسمات وَجه امرأة باكية يَنصبها الْمَشهَدُ مَلِكةَ جَمالٍ..
إنه الجَمال الْمَمْهُور بالبراءة، إنه الجَمال الذي لا تُسَيِّجُه خُطوطُ مساحيق التجميل ولا يَصْلبُ قدمَيْكَ عندَ رصيفه أحمرُ الشفاه ذاك الذي يُبَنِّجُكَ رَغْبَةً ويَسْرِقُ من عينيكَ الضوءَ الْمِتْلاف لِلْحَقِيقة..
الدموع شُرطي مُرور لا يَسمح بإبقاء أسلحة الجَمال تلك التي تُصَوِّبُها المرأةُ في وجه الرَّجُل إجبارا له على الركوع لها..
ولأن وظيفةَ الدموع هي التطهير وتخليص العُيون مِنْ كُلّ الشوائب، فإنَّ عُبُورَ الدموع لمساحة الوجه واختلاطها بِكُلّ خلية سَيَسْمَح بِتَنْقِية الوجه وتَصْفِيته أكثر مما يَسمح به أيّ «صالون» تَتَأَهَّب فيه الأصابع و»الكْرِيمات» لِتَدْلِيك الوجه..
البريقُ الذي يَتحقق مع لمسات الدموع الصادقة المارّ مِن هنالك لا يُعادِله بريق في مِيزان الجَمال، لذلك ها نَحْنُ نَرى أنَّ أكثرَ المرات التي يَصدق فيها نزار جاءَ مُتَزَامِناً مع تَلْوِيحه بِـصَيْحَة «مُوضَا» العيون الدامِعة..
فَلْتَكُونِي قَصيدةَ دُموعٍ أنتِ.
بقلم : د.سعاد درير

سعاد درير