كتاب وأراء

بين التذبذب .. والكذب !

بين التذبذب .. والكذب !

وسط «قهقهات» الصحفيين والحاضرين من رجال الفكر والسياسة، تحولت الندوة التي نظمها مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير على هامش الدورة الـ 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى مادة للتندر والسخرية والكوميديا..!
فالرجل لا يكل أو يمل من الارتباك والتناقض وسرد قصص وهمية واتهامات خيالية لا تليق بعالم السياسة وضوابطه الدبلوماسية، حيث يجب أن تكون التصريحات رصينة متناسقة غير متناقضة، والكلمات دقيقة مستندة إلى الحقيقة، كما أن أحاديثه بعيدة كل البعد عن علم القانون والذي يقتضي ضرورة سرد الأدلة والبراهين مقرونة بالادعاءات والمزاعم، وفي علم النفس من يكرر الاتهام، دون دليل، إما إنه ضالع فيه أو يخشى أن يتهم به!
لكن هو في الحقيقة أصبح وكأنه دمية في مسرح العرائس في داخله اسطوانة مشروخة، تعيد نفس النص في كل مناسبة، دون أن يثبت أو يضيف شيئا جديدا وكل ما عليه أن يهز رأسه ويحرك يديه حتى يضبط الدور، لكن حتى التمثيل هو فاشل فيه رغم أن فيه شبها من شخصية «سعدون» الذي أبدع في تقمصها الفنان القطري فالح فايز في الثمانينيات..
أما الجبير فبعد أن كان يبدأ مؤتمراته الصحفية بـ «التأ تأة»
أصبح يختمها بـ «القهقهة»..!
عندما سأله أحد الصحفيين عن الخلاف مع قطر وهل هناك آلية لتجاوز الأزمة، بدا متناقضا في إجابته فقال:
لا يوجد خلاف لكن نحن لا نريد إقامة علاقات معهم،
ثم استدرك: ننتظر أن يعدلوا سلوكهم قبل النظر في إعادة العلاقات، حيث إنهم يدعمون الإرهاب والأحزاب المتطرفة، وسبق إن ضبط عنصر من تنظيم القاعدة لديه جواز قطري. وأكمل باقي الإسطوانة التي يرددها دون أن يبرهنها.
طبعا الجزء الأول لا يليق بحصافة وزير خارجية ولا قدرته على انتقاء الإجابة الصحيحة، فأصبح يدور في حلقة مفرغة، وفي صراع نفسي بين أن يتم تقليل حجم قطر استنادا إلى مقولة «معزبّه» إنها صغيرة جداً جداً جداً، رغم أنهم يتحدثون عنها حتى في تعمير الجزر وبناء المدن وسباق الهجن، وبين أن يصنع تهما كبيرة تليق بإجراءاتهم التعسفية وخطواتهم البربرية..
فبعد «هياط» مقتضب في بداية الإجابة وإنهم
«ما يبونا» ومستعدون للمقاطعة 15 سنة عاد ليفتح ملف الإرهاب، وأنتم وفيكم وعليكم ووووو الخ!
بداية الكلام حديث سطحي طفولي لا يتناسب مع وزراء ودول وتحديات كبرى في المنطقة، وكأنه حديث طلاب ابتدائي في الباص أو مراهقين في استراحة..!
أما تصريحاته عن الإرهاب فهو مثل «المدّخن» الذي يتحدث عن أضرار التدخين، ويتمنى لو كان هناك مجموعة من المدخنين حتى تشوش الصورة ويصعب السيطرة عليها أو ضبطها والحد من آثارها حتى لو اضطر أن يكذب ويلفق الاتهامات لإبعاد التهمة عنه عبر إشراك أطراف بريئة معه!
تخيل أن الأصلع يحدثك عن خصائص الشعر أو الكفيف عن فوائد النظر.. أو «الأملط» عن أهمية الشنب.. وطبعا لن تقبل هذا الطرح لأنك تراه غير منطقي وتصديقه أمر صعب!
والسعودية والإرهاب وجهان لعملة واحدة، هذا هو رأي السياسة والإعلام العالمي، استناداً إلى حوادث متفرقة في أماكن متنوعة وأزمنة متعددة، كان فيها العنصر السعودي حاضرا بقوة، ومنها الدعوة للجهاد في أفغانستان، الذي كان برعاية الحكومة السعودية، حيث تجمع التبرعات من تذاكر المباريات وغيرها وتنشر مثل هذه الأخبار في الصحف الرسمية، تحول المجاهدون بعد نهاية مهمتهم إلى خلايا متطرفة نشأ عنها تنظيم القاعدة الذي تزعمه السعودي أسامة بن لادن!
كما لايمكن أن ينسى العالم أحداث 11 سبتمبر التي راح ضحيتها 3000 وأصيب ضعف هذا العدد، عبر هجوم شارك فيه 19 شخصا بقيادة المصري محمد عطا وضمت التشكيلة الإرهابية 15 سعوديا وإماراتيين اثنين إضافة إلى الدعم المالي المحول من بنك دبي، مما جعل الأميركان يسارعون في تشريع قانون جاستا الشهير الذي سيكون بمثابة كرباج على ظهور هذه الحكومات الداعمة للإرهاب، على أن يتم بعد ذلك حلبهم مجددا بتعويضات لا تقل عما شفطه ترامب من الرياض بحضور ايفانكا.. على صدى أبيات شاعر الهياط «ورنا شرب الفناجيل يا شرّابها»..!
أما قضية الجواز القطري المضبوط مع أحد عناصر القاعدة فهذه نكتة سخيفة، فالمعروف والمألوف أن أي دولة تضمر الشر لأي طرف بإمكانها أن تضبط عناصر تمثل دور الانتماء لتنظيمات متطرفة ويتم تصوير الواحد منهم معصوب العينين ومعه عملات نقدية وجواز سفر لإثبات الهوية والتهمة على هذه الدولة أو تلك، وهذه ألاعيب مخابرات عفا عليها الزمن، ولا نستبعد بما أنكم مازلتم على هذا التفكير أن تعلنوا عن ضبط عملية تجسسية مكونة من عناصر قطرية وإيرانية وألمانية وكندية، وتعرض الأدلة المضبوطة في داخل السكن على شاشة القناة الإخبارية، وهي عقال كراكيش وشاي سليماني وتي شيرت بايرن ميونيخ، عليه شعار كندا دراي!!
تقرير الخارجية الأميركية الذي صدر مؤخرا يفنّد كل الخزعبلات التي ترددها، وأشاد بالدور القطري في مكافحة الإرهاب، كما إن «معزبكم الأكبر» ترامب يثني على دورنا في هذا الاتجاه كما هو رأي جميع القوى الكبرى في العالم عبر أجهزتها العسكرية والمخابراتية.. طبعاً باستثناء إمارة أبوظبي المارقة وقليصتها الرياض وحوارها البحرين!
الجبير الذي يلعب دور «الأجير» مع هذه الأزمة قبل أن ترمى سيرته الذاتية في ملف أسود بالأرشيف.. هو أحد عناصر الشر التي ساهمت في المؤامرة على قطر، ليفرض عليها حصار جائر لأنها دافعت عن كرامتها وسيادتها، ثم قال ساخرا: «مستعدين لإرسال الغذاء والدواء والمساعدات لهم إذا احتاجوا ذلك»، وكان الأجدر به أن يرسله للمساكين الذين بلا مسكن والمحتاجين المنتظرين لكوبونات الزكاة والصدقات والعاطلين عن العمل، ومن هم على بند حافز، وعوائل العلماء المسجونين وأهالي المفكرين المضطهدين والطلبة المظلومين في مملكة القمع والفقر والقهر، هؤلاء محتاجون وقفتك ودعمك وليس أهل قطر المكرمون في عز وخير.. والذين يسعون الآن لمعالجة المرضى في اليمن بدون منة وتوفير الغذاء والدواء والماء لهم بلا سخرية، بعد أن قامت قواتكم الباسلة بإدارة ظهرها لإيران التي تعتبرها العدو الأكبر وتشيطن كل من رد عليها التحية أو السلام، لتلقون اليمن إلى التهلكة وتضربون بنيته التحتية وتنشرون فيه الأمراض ويسقط بسببكم القتلى والجرحى يومياً وذلك في إطار بحثكم عن كم حوثي لم تستطيعوا السيطرة عليه حتى الآن، وحتى الأطفال الأبرياء راحوا ضحية هذه الحرب العبثية بلا ذنب اقترفوه!
بعد كل هذا يحدثنا الوزير بكلمات «ناعمة» وجمل «كيوت» تدعو إلى السلام ونشر الأمن والاستقرار وهو وبلاده وتابعوه من ينشرون الفوضى ويفرخون عناصر الإرهاب ويزعجون العالم برؤيتهم المتخلفة وعقليتهم السطحية.
انظروا في مرآة طبيعية لا محدبّة ولا مقعّرة.. وسترون حجمكم الحقيقي وإنكم وضعتم لأنفسكم مكانة مصغّرة!
فالسعودية أصبحت مثل «الطبل» تحت قيادة توتو ودليم.. تعيش في واقع أليم، وتزداد كل يوم انحدارا سياسيا واقتصاديا وتقل هيبتها بين الدول نتيجة رعونتها ومراهقتها.
وان شبهت هذا الثنائي بـ«الطبلين» فأنا لا أقصد السخرية من أحجامهم بل من آدائهم وأعني بذلك أن «صوتهما عالي.. وداخلهما خالي»..!
فالأول «كرشوه» المصريون بعد أن قلّموا أظافره واعطوه درسا أن الكرامة لا تشترى بالمال، فذهب يبحث عن موطئ قدم في المغرب التي خذلها في تصويت المونديال..
قدم إليهم مرددا ومطبّلاً «جنّة جنّة جنّة.. مغرب يا أهلنا» والتوقعات أن يخرج منها أيضاً.. بـ «الكارت الأحمر»!
أما شيخ الذبان الإلكتروني، فمهتم بموضوع حفر قناة سلوى، لأنه عجز عن مواجهة قناة الجزيرة التي سببت له عقدة نفسية من أيام حلقة «الفصعون» الشهيرة.. فيحاول بكل ما لديه من سلطة ومال أن يجنّد مرتزقة وذبابا وأقلاما مأجورة للإساءة إلى قطر، ولكن اتضح أن حساباته خاطئة ورؤيته قاصرة.. فنحن المقيمون على ماء.. وهو الحفّار الفار من المواجهة!

لذلك لا غرابة أن نجد وزير خارجية - وسط هذا الذباب - «متذبذب».. ومع هذا التطبيل «مطبّل».. ويضاف لها «مضلل».. وقد يكون «متململ» ولكن الأكيد أن جميع أهدافه «تسلل»!!

آخر نقطة..
بعد سنة ونصف تقريبا من كيل التهم جزافاً.. دون دليل،
ومن تحول الرياض إلى تابعة لأبوظبي، تأتمر بأمرها وتحقق مطالبها، حتى أصبحت قليصة لها وخطامها بيدها تعسفها وترسم لها خريطة الطريق عبر مخطط المؤامرات محمد دحلان، تحت إشراف ولي عهد العاصمة «الأمّارة بالسوء»، حتى ينهكها ويثقل كاهلها بالقضايا والحروب والأزمات، فيسهل الانقضاض عليها وإزاحتها من المشهد، ليكتمل تقسيم المنطقة بمحافظاتها ومدنها وموانئها، وتصفّى القضية الفلسطينية بتاريخها وصمودها، ويحارب العلماء وتصاحب العلمانية.. وتنجح الخطة الظبيانية الدحلانية!

أقول.. بعد سنة ونصف تقريباً من الغطرسة والتعالي والتكبّر والتجبّر.. بصافرة صغيرة من البيت الأبيض ركض وزراء دول الحصار باتجاه طاولة الحوار.. وجلسوا في مقاعد متأخرة.. بدون هياط.. ودار حديث شفاف عن ضرورة تشكيل ناتو عربي لمواجهة التحديات الإقليمية والجميع حضر وشارك، حتى الذين قالوا لا يمكن أن نجلس مع القطريين على طاولة واحدة قبل تحقيق المطالب الـ 13 وهي ذريعتهم لرفض الوساطة الكويتية المخلصة، لكن عندما دعوهم الأميركان.. برئاسة أبو ايفانكا «الذي يعرفونهو» انتهت زعامتهم الوهمية، والكل قال «الرأي رأيك يا يبه.. والشور شورك يا يبه»!

بقلم: محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول

محمد المري