كتاب وأراء

الفرات الحزين

رحل إبراهيم الجرادي، كان هذا هو الخبر الأول الذي قرأته حين فتحت صفحتي على فيسبوك قبل أيام قليلة، لم أصدق بداية ما قرأت، ظننت أن في الخبر مزحة ما، لولا أن كاتب الخبر صديق بالغ الجدية، ولا يغامر بمزحة مثل هذه، رحل إبراهيم الجرادي، الخبر ينتشر على صفحات المثقفين السوريين واليمنيين وبعض العرب ممن يعرفون الجرادي، الخبر صحيح إذا، لا مجال للشك فيه.
دخلت صفحته على فيسبوك لأتأكد، كانت نافذة الرسائل لديه مضاءة بالأخضر، هو على الشبكة إذا، خطر لي أن أرسل إليه رسالة، كعادتي، كي أطمئن عليه، قلت: سيرد عليَّ بأنه قوي وأن ما يعانيه أمر بسيط، وأنه مصر على العيش إلى اليوم الذي سيرانا فيه جميعا، نحن الغائبين عن سوريا منذ سنوات، لكنني أحجمت عن إرسال الرسالة، كانت صفحته مفتوحة لكتابات الأصدقاء الحزينة عنه، رحل فعلا إذا، وليس هو من يقرأ الرسائل، وليس هو من يقرأ نعوته، وليس هو من يقرأ حزن الأصدقاء عليه، وليس هو من يشهد على محبتهم له، رحل إبراهيم الجرادي إذا، ونعاه المثقفون والكتاب السوريون من كل الاتجاهات، لم يتدخل الموقف السياسي في حزن الآخرين على رحيله، لم يقل أحد: لا يستحق الجرادي الحزن لأنه كان خائنا للوطن، ولم يقل أحد: لماذا سأحزن على مثقف يقف مع القتلة، لم يحدث شيء من هذا يوم رحيله، صفحته كانت بمثابة لقاء وطني افتراضي للمثقفين السوريين جميعا، ورغم أن الجرادي لم يعلن خلال السنوات الأخيرة موقفا جذريا مع الثورة أو مع النظام، لكنه أيضا لم يساند أيا من القتلة السوريين، ولم يهلل لأي محتل على الأرض السورية، كان موقفه إنسانيا ووطنيا وأخلاقيا: الانحياز لضحايا المحرقة السورية، والوقوف ضد هذه الحرب العبثية الكريهة التي دفع ثمنها السوريون جميعا، الانحياز نفسه الذي جعله يقف ضد مافيات القتل والحرب والسياسة السوريين ممن يؤيدون النظام، وممن يدعون معاداته في الوقت نفسه، كان موقفه من الحدث السوري موقف الحريص على وحدة أبناء الوطن الواحد، وكان صوته صوت المثقف الذي يريد الابتعاد عن السياسة لصالح الإنسانية، لهذا لم يتوان عن تقديم استقالته من المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب في أواخر 2011، حين أعلن الاتحاد تأييده الكامل للحل الأمني الإجرامي القاتل الذي اعتمده النظام في مواجهة ثورة السوريين، ولم يصدر أي بيان إدانة ضد قتل المثقفين والكتاب سواء في المعتقلات أو في الإعدامات الميدانية أثناء اقتحام المدن والبلدات الثائرة.
إبراهيم الجرادي، ابن مدينة القرة السورية، التي تم تشويهها وتشويه أبنائها، حين حولت لعاصمة لداعش، وتم السكوت الدولي عن الانتهاكات الكبيرة التي حدثت فيها، ابن الفرات العظيم الذي اصطبغ باللون الأحمر من فرط من سال من دماء أبنائه على امتداد الأرضين السورية والعراقية، ابن البيئة العروبية التي لم يرها تتعارض مع أيديولوجيته الأممية في يوم ما، إبراهيم الجرادي المثقف والأكاديمي والناقد السوري اللامع، الذي قضى في اليمن الشقيق شقا طويلا من حياته، وشهد في السنوات الأخيرة حرب اليمن وحرب سوريا، البلدين اللذين ينتمي لهما قلبا وروحا وجسدا، إبراهيم الجرادي الشاعر العذب المجدد الذي يعرفه المهتمون بالشعر وقرائه جيدا، من السوريين والعرب، رحل بعد أن أكل الحزن روحه وقلبه وهو يرى ما وصل إليه حال بلده سوريا وحال اليمن، البلد الأحب إلى قلبه، لم تحتمل شفافية روحه كل هذا القهر والألم والحزن، ولم يحتمل قلبه أن تصبح مدينته الرقة رمزا للظلام والإرهاب والتخلف، ولا سوريا بلدا للموت والتشرد والفقر والجوع، حاصر السرطان جسده مثلما حاصر الموت سوريا واليمن، لم يستطع الصمود في وجهه القاتل طويلا، رحل إلى حيث السلام التام، تاركا خلفه إرثا كبيرا من الشعر والدراسات النقدية، وحزنا أكبر من أصدقاء ومحبين لثقافته وشعره وإنسانيته العارمة.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران