كتاب وأراء

إنصاف الثورة البَنَّاءة

في بلاد نائية كان هناك حاكم يُشَجِّعُ الفرد على الإنتاج، بِلا أَذْرُع كان يَدفعه سِرّاً وعَلانية، وبالْمِثل كان يُحَفِّزُه تحفيزا على أن يَثِقَ بِقُدراته، ويَعمد إلى تكوين الفرد تكوينا كاملا في مدرسة الحياة..
خرج الحاكم يوما لِتَفَقُّد أمور البلاد، صال وجال بين المرتفَعات والوِهاد، ثم قَرَّرَ أن يُعَلِّمَ الرعية دَرْساً، ومِن ثمة أَمَرَ بِوَضع صخرة ثقيلة وسط الطريق الذي يَطيب للواحد أن يَقطعَه، بالتالي خَطَّطَ لحرمان المارّة من العبور الذي صَيَّرَهُ عَصِيّاً..
اقترب مِن هنالك واحد مِن التُّجَّار، فعَقَدَت المفاجأةُ لسانَه، ثم صرخ وثار.. السُّخطُ نفسه عَبَّرَ عنه الثاني فالثالث ثم الرابع.. لا أحد منهم كَلَّفَ نفسَه عناءَ البحث عن السِّرّ، إلى أن تَقَدَّمَ فلاح بسيط واسْتَلَّ السيف لِيَقِف في وجه الظرف..
لكن هل صَدَّقْتَ يا صديقي أنه السيف؟! ما كان السيف سِوى الْمُحاوَلة، فلا شيء كان سيَقوى على حَلّ المشكلة أكثر مِن المحاوَلة الواعدة بِمَطَر النجاح ثقةً بحُسن الاعتقاد وقوة الإحساس بالرغبة في التجاوز..
الفلاح المسكين لا يَنقصه اليقين في نفسِه الرافضة أن تُعَوِّلَ على معجزة كما يَفعل الجُبناء والْمُتخاذلون، لذلك تأهَّبَ للموقف بإرادة جَبَّارة تَسْبِقُها النية، قبل أن يُطلق العنانَ لما تَيَسَّرَ مِن قوة بَدَنِية، وهكذا ضَغطَ بِكَفَّيْه على جانب من الصخرة بكل ما أُوتِيَ مِن هِمَّة وعزيمة فَجَّرَتَا يَنبوعَ الرغبة عند الآخَرين في مَدّ يَد العَون..
ما كانت هذه الثورة البناءة لِتَبُوءَ بالفشل، ولذلك تَفَوَّقَ الفلاح على الظروف والأحوال، لم يَنتظر أن يَرى مُبادَرَة أهل المال والأعمال، وإنما أَنْصَفَتْهُ عظمةُ مواقف الرِّجال، الرِّجال بحقّ، أولئك الذين يَليق به هو أن يَكونَ قُدْوَةً لهم هو السَّبَّاق إلى البطولة عندما تأكد له وَهْمُ الرُّجولة، ومتى؟! حين رأى أصحابَ الشوارب يُوَلْوِلُون ويُهَمْهِمُون كالنساء عِوَضَ أن يَستعينوا بقوة الفكر على الشقاء..
ما أن تَزَعْزَتَ الصخرة مِن مكانها حتى وَجَدَ الفلاحُ تحتها صندوقا مُقْبَرا فيه رسالة تَقول: «مِن الحاكِم إلى مَن يُزيل الصخرة»..
وأنتَ؟! هل كان مِن الحكمة أن تُنْفِقَ عُمْرَكَ القصير في انتظار بَيضة الديك أو تَرَقُّب ريشة الطاووس الذهبية يا هذا الغافل عن الإيمان بقُدراتك الذاتية وطاقاتك الخلاَّقة تلك التي تُعَجِّل بِمَنْحِكَ بِطاقة تَقودكَ إلى مُدُن الغَد النابض بالْمَجْد؟!
لِكُلّ مَن يَعمل جزاء، ولِكُلّ مَن يَشقى مكافأة.. لكن مِن العار أن تَكْتَفِيَ بالتعبير عن التذمر والاستياء في الوقت الذي يَبحث لك فيه غيرك عن أسباب أخرى للبقاء..
مُخْجِل يا صديقي أن تُطَأْطِئَ خائبا كُلَّما اعْتَرَضَتْكَ مشكلة وكأنك كَسيح أو مَصْلُوب الأطراف، بينما تَكمن الخطوة الأولى على طريق الحَلّ، في الاعتراف، تَلِيه البرمجة الهادفة إلى التحدي وتجاوز الإكراهات وإزاحة ما تَيَسَّر مِن حَجر عثرة والتمرد على العقبات بما تَخْتَزِنُه أنتَ مِن قوة في الذات..
قُوَّتُكَ وعبقريتُكَ في إيمانك بذاتكَ..
نافِذَةُ الرُّوح :
- «مُلْهَمٌ مَنْ حَطَّ فوق شجرته عصفورُ الحُبّ».
- «جِدار الإحساس لا يَتَداعى ولا يَسقط».
- «اُصْمُدِي، اُصْمُدِي في وجه الظروف الشائكة يا قَدَمَيَّ حتى لا يَطردَني الأمَلُ مِن جَنَّتِه».
- «بين القَدَر الذي أُرِيدَ به خَير، والقَدَر الذي أراد لكَ شرا كما يُصَوِّرُ لكَ عقلُكَ، هناك اجتهاد في سُوء الفَهم».
- «مَنْ قالَ، يا حياةُ، إنكِ حُلوة؟! صَدِّقِي أنني لَمْ أَرَ أَبْشَعَ مِنكِ في مرآة الإحساس».
- «كُلَّما ضَرَبْتُ للتأمل موعدا، أَجِد الغروبَ يَكتب قصيدتَه في دفتر الأُفُق الْمُوَقَّع بِلوحات تشكيلية قَلَّما تَجود بِمِثْلها أصابع فَنَّان».
- «إلى قاع الحِيرة يَجْرِفُني نهرُ الاختيار الصَّعب بَين حِذاء الصَّبر ذِي الكَعب العالي الذي يَقْوَى على الصُّمود في وَجه الجَليد وفُستان الرغبة الذي يَتَآكَل تَحْتَ ضَغطِ شِتاءِ العُمْرِ».
بقلم :د. سعاد درير

سعاد درير