كتاب وأراء

منصَّات التواصُل الاجتمَاعِي والصِحَّة النفسيَّة

تعُجّ مجتمعات منصّات التواصُل الاجتماعِي في العالم بعددٍ من الوُسُوم النشِطَة التي يُناقِش فيها المرتادُون؛ قضايا نفسيَّة بالغَة الخطُورة والحساسيَّة، مثل: الرغبة في إيذاء النفس والانتحَار، القلق واليأس الشديد والاكتئاب، وتُعتبر هذه الوسوم مستنقعاتٍ غنيَة بالأمراض والعِلَل النفسيَّة التي ينشَطُ أصحابُها في استعراض هواجسهِم وأوهامهِم وإقناع بقيَّة المتابعين بمدى صِدق ما يشعرون به وأنَّ العالم أصبحَ مكانًا سيئًا للبقاء وذلك على تواتُرٍ منتظِم على مدار الساعَة، والحقيقة أنَّ هذا لمؤشرٌ خطيرٌ للغاية ويُحَتِّم علينا أولًا مُراقبة المضامين التي نتعرَّضُ لها في هذه المنصَّات، إضافة إلى زيادة توعية مُحيطنا بخطَر السواد الأعظم من المنشورات الإلكترونيَّة في هذا الفضاء الافتراضِي، التي تُخبئ سُمًا مدسوسًا في ثناياها.
إنَّ عدد مُستخدِمي منصّات التواصُل الاجتماعِي بلغَ أكثَر من 4 مليارات شخص، أي ما يُعادِل نصف سُكّان العالَم وذلك بحسَب إحصائية جديدة قدمتها شركتَا HOOT SUITE وWEARE SOCIAL، وهذا النمو الكبير في المستخدمِين يتطَلبُ وعيًا وتبَصُرًا حقيقيًا بتأثير هذه التقانَة الجديدَة على الجماهير العالميَّة فِي كُل مكان، لاسِيما جمهور المراهقين والشباب الذين يحتاجون إلى الرعاية والتوجيه والإرشاد في هذا الجانِب، فهُم من أكثر الفئات استخدامًا وأكثرها ميلًا إلى الإدمان الإلكتروني الذي تُصاحبها إلزامًا مظاهر العُزلة الاجتماعية والتعلُّق والإيمان التامّ بكُل ما يَرِد في هذا الفضاء الافتراضِي، ووفقًا لمسحٍ أجراه فريق بحثي بقسم بحوث الإعلام والتكنولوجيا والصحة في جامعة بيتسبرج بالولايات المتحدة الأميركية على عيِّنة من الشباب، فإنَّ الإفراط في استخدام هذه المنصات يؤدي إلى تشتيت المخ بين مهام متعددة، وهو ما ينعكس سلبًا على الصحَّة العقلية والقُدرة على الإدراك والانتباه، وقد يتطور الأمر إلى الإصابة بالاكتئاب وسوء الحالة المزاجية، وأكد الباحثون أنَّهُ حتى لو انخفضت مدة المكوث على المنصة، يظل الرابط السلبي بينها وبين الاكتئاب وَثيقًا.
قارئي العزيز، إنَّه بالرّغم من أنَّ عالم مجتمعات منصّات التواصُل الاجتماعِي يُعتبر في كثير من الأحيان مكانًا غير آمنٍ لتلَقِّي المعلومة أو الأثر النفسي والخُلقِي السليم إلا أنَّها في المقابل تكون بيئات إيجابية ترفع من مُعدلات الصحَّة النفسية تمامًا كما تفعل في تيسيرها طريق الحُصول على المعلومة والخبر الصحيح، فبعضُ الدراسات العلميَّة الحديثَة تُشِير إلى أنَّ استخدام الشباب لهذه المنصات والبرامج الاجتماعيَّة؛ تفيدهم في الإحساس بالاندماج والترابط الاجتماعي ورفع مستويات تقدير الذات وخفض مشاعر الوحدة، فضلًا عن تحسين الرفاهية الاجتماعية العامة فيمكن لهذه المواقع أن تُسهم في تحقيق نتائج أفضل لعلاج مختلف قضايا الصحة النفسية، منها: الاكتئاب والقلق والانتحار والاضطرابات الأخرى. إذن فالأمر له جانبان، أحدهما مشرق والآخر يّنذِرُ بالخطَر، وأعتقد أنَّهُ من المهم جدًا أن تقوم مجتمعاتُنا الواعية، ابتداءً بمؤسسات المجتمع المدني ذات العلاقة، والجامعات والمعاهد والمدارس، والمستشفيات والمركز البحثيَّة، بتنظيم حملات توعية دوريَّة تشرح فيها لجمهورها المباشر جانبي تأثير هذه المنصَّات لاسِيما على النفس البشريَّة التي مِنها تنبثق استقرار الفرد وبالتالي إنتاجيته في هذه الحياة، وتتجلَّى مظاهِر صحَّة النفس من خِلال التوازُن والنُضج الانفعالي، الدافعيَّة، الشُعُور بالسعادَة، التوافُق النفسِي.
وأعتقِد أنّ الأمر يسير، خاصَة مع تنامي الاهتمام بهذا الجانِب من قِبَل عددٍ من المؤسسات التي وضعَت نَصب عينيها تنمية المجتمع من خِلال تعزيز الصحَّة النفسيَّة للفرد والجماعة، وِمن هذا المنبَر أُشِيد بجهُود الزملاء الأكارِم في جمعية أصدقاء الصحَّة النفسيَّة (ويّاك)، الذين لا يألُون جُهدًا في دعِم الصِحَّة النفسيَّة في دولة قطر مِن خلال برامجها لنشطَة وحملاتِها الدوريَّة، وبالتأكيد فإنَّ هذه الجمعية الطموحَة بحاجة إلى تضافُر وتعاون وتكامُل كافَّة أركان المجتمع لتحقيق رؤاها وطُموحاتها، وهذا الأمر لن يتأتَّى إلا من خِلال تبنِّي قضية رفع الوعِي بتأثير منصات التواصُل الاجتماعي على الصحَّة النفسية للفرد والمجتمع (على سبيل المثال) ومحاولة تقديم حلول، كُلٌ بحسَب موقعِه الاجتماعي والوظيفي، في هذا المجتمع، مع التأكيد أنَّ قضايا الصحَّة النفسيَّة كثيرة ومتشعِبَة، وبحاجَة إلى تضافُرٍ حقيقيٍ وجادّ للجهود المنصبَّة في تحقيق هدف الرخاء النفسِي للفرد والمجتمع.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي