كتاب وأراء

سمير حمدي ..سياسات هوجاء تقود المملكة نحو المجهول

جاء خبر اختفاء الكاتب جمال خاشقجي بعد دخوله إلى مقر سفارة بلاده في إسطنبول ليثير مزيدا من علامات الاستفهام حول طرق تعامل نظام المملكة السعودية مع معارضيها، فهذا الصحفي المعروف بتوجهاته الحرة ومناهضته لسياسات القمع الأمني المنتهجة في بلاده تحول بين عشية وضحاها إلى ضحية جديدة تضاف إلى قائمة الذين عمدت السلطات الرسمية في تصفية الحساب معهم من خلال أساليب مخابراتية مكشوفة تسعى إلى إخماد كل صوت مناهض لها أو معارض لتوجهاتها.
ربما لم يتوقع المتابعون وحتى الكاتب خاشقجي نفسه هذه الخطوة نظرا إلى جملة من العوامل أهمها شهرة الرجل وعلاقاته الكبيرة على المستوى الدولي بالإضافة إلى طبيعة المكان مسرح العملية، لأن خطوة من هذا القبيل من الأكيد أنها ستزيد التوتر بين الطرفين التركي والسعودي في ظل علاقات فاترة أصلاً ولأن الدولة التركية لديها حساسية بالغة تجاه كل ما يمس أمنها الداخلي ويشيع حالة من التوجس لدى المقيمين العرب والأجانب على أراضيها وكثير منهم من المعارضين السياسيين أو الناشطين الحقوقيين.
كان لحادثة إخفاء الكاتب جمال خاشقجي ارتدادات سياسية وإعلامية خطيرة وذلك لأسباب عدة أهمها أن الأجهزة الرسمية السعودية قد ورّطت نفسها في عملية غير محسوبة العواقب وربما يمكن تفسير التهور الذي رافقها بالسياسة الهوجاء التي يعتمدها ولي العهد الحالي محمد بن سلمان والتي تستند إلى نوع من البلطجة السياسية أكثر مما هي ممارسة عقلانية وحساب ذكي للمصلحة يراعي علاقة دولته بالدول الأخرى، فالسلطات التركية واثقة من اختفاء الكاتب الخاشقجي في سفارة بلاده وهو نفس التوجه الذي يذهب إليه كل المراقبين وهو ما يضع أجهزة السفارة ومن ورائها مسؤولي الخارجية السعودية في أزمة حقيقية بين التخلص من الكاتب المختطف بأي صورة من الصور أو الإفراج عنه مع ما في هذه الخطوة من إثبات لعملية الاختطاف وهي التي دأبت على نفي حصولها. في المقابل يبدو أن سعي السلطات التركية حاليا هو محاولة إنقاذ الصحفي جمال خاشقجي بغض النظر عن الأسلوب المتبع بمعنى أنها ستسعى إلى إيجاد حل مع الطرف السعودي للإفراج عن المختطف ولملمة الموضوع بين الطرفين وهو ما نلاحظه من خلال تصريحات مسؤولين أتراك يؤكدون من جهة أن الكاتب لازال بين جدران السفارة وفي ذات الوقت التأكيد على التواصل المستمر مع الطرف السعودي الذي يواصل التمسك بالإنكار علنا وبالتعتيم الإعلامي في أجهزته المختلفة وفرض منطق الصمت وهو أمر لم يعد ممكنا حاليا في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وأجهزة الإعلام بالإضافة إلى أهمية الشخصية المختطفة وما تحظى به من احترام في أوساط عربية وغربية بما جعل قضيته محل اهتمام ومتابعة في كل الأوساط. وتراوحت ردود الأفعال الدولية بين تصريح المتحدث باسم الأمين العام فرحان الحق مرورا بالمقالات الصادرة بصحف أميركية وبريطانية مختلفة ركزت جميعها على انتقاد السياسات الرسمية السعودية التي تحاول إخماد كل صوت حر وصولا إلى إعلان منظمة «مراسلون بلا حدود» عن قلقها على مصير الكاتب المختطف. هذا الحراك الإعلامي الدولي يزيد من متاعب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وهو الذي تميّز بمواقف متهورة وسياسات هوجاء بدأت بحصار قطر وبجرائم ضد الإنسانية في اليمن وقد لا تتوقف عند اختطاف جمال خاشقجي ولكنها بالتأكيد كشفت عن حالة الفوضى السياسية التي تعيشها المملكة منذ وصول محمد بن سلمان إلى السلطة وخياراته العاجزة التي لم تعرف لها المملكة نظيرا من قبل، فهل يكون اختفاء جمال خاشقجي الورطة الأخيرة التي ستحطم أوهام مدبريها؟
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي