كتاب وأراء

غذاء أوراق الشجر

حبشي رشدي
يطيب لي أحيانا متابعة سلوكيات الأوروبيين في الأسواق: كيف وماذا يشترون، وبأي قدر يبتاعون مشترواتهم، فكان غريبا بالنسبة لي أن أراهم يشترون بعض الفواكه بعدد الثمار وليس بالكيلوغرامات كما نفعل، فمثلا تجد زوجا وزوجته يشتريان ثمرتي مانجو فقط، أو ثمرتي موز فقط، أما نحن فنشتري 4 أو 5 كيلوغرامات من المانجو في المرة الواحدة وربما أكثر من ذلك، ولهذا تجد أحشاء ثلاجاتهم بمنازلهم خاوية، على العكس تماما من ثلاجاتنا التي تجدها عامرة ومزدحمة جدا.
من المستبعد تماما أن يكون وراء هذا الاقتصاد الفذ في شراء أوروبيين ثمار الفاكهة بخل أو تقتير، ولكن ربما لضمان الطزاجة أولا بأول، أو تجنبا للسأم الذي قد يترتب على التهام نوع واحد من الفاكهة أكثر من مرة، أو التنصل من أعباء التخزين والحفظ، أو ما شابه ذلك من الأسباب، وقد لا يكون هذا السلوك اقتصادا، وإلا لاقتصدوا في إنتاج مخبوزاتهم، فقد قرأت تقريرا يتحدث عن أن الألمان يلقون 1.7 مليون طن من المخبوزات سنويا في القمامة، لأن هذه الكمية تفيض عنهم بعد تصنيعها وتجهيزها وطرحها في الأسواق، وأن هذه الكمية الهائلة من المخبوزات تعادل حصاد نحو 400 ألف هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، وربما لا تنفرد ألمانيا بهذا التبذير في المخبوزات، بل قد يكون الأمر ظاهرة أوروبية في دول لا تواجه مشكلة في إنتاج ما يكفيها من القمح بل ويفيض عنها، والفارق بين الأوروبيين والأميركيين أن الأخيرين يلقون الفائض عنهم من القمح في البحار لتتغذى عليه أسراب الأسماك المرفهة، بينما الأوروبيون يطحنون الفائض عنهم ويصنعون منه مخبوزات فاخرة ثم يلقونها في صناديق القمامة، ولدرجة أن الجهات المختصة في ألمانيا تفكر جديا في فرض ضريبة على فائض المخبوزات لوقف هذا الهدر،
وفي الوقت ذاته شاهدت تقريرا تليفزيونيا بثته الـ بي بي سي يتحدث عن أن قرى في اليمن صار سكانها يعتمدون في غذائهم على أوراق الشجر ليكون بوسعهم البقاء على قيد الحياة، ولمواجهة مجاعة وانعدام لوجود أي نوع آخر من الغذاء يمكنهم أن يقتاتوا عليه.
هذا التناقض الصارخ بين من يقتاتون على أوراق الشجر، ومن تفيض مخبوزاتهم إلى حد التخلص منها في صناديق القمامة تعكس أزمة إنسانية فجة ومترعة بالمعاني والدلالات في عالم سعى إلى عولمة حياته، دون أن تتعولم مشاعره، أو تتأنسن سلوكياته بما يليق وحضارة القرن الحادي والعشرين، فنجد اليمنيين يتعرضون لحرب عبثية غير مبررة البتة تشبه حرب الإبادة، بينما يعيش آخرون في ركن آخر من العالم وهم يصمون آذانهم عن أنين الجوعى والمصابين والعراة والذين يفتقدون المأوى والأمن والأمان، ولا يتدخل أحد بفاعلية لإنقاذ اليمن واليمنيين مما آلت إليه الأحوال في بلد طالما وصف منذ قديم القديم بأنه: «اليمن السعيد».
الغريب في الأمر أيضا أننا بلدان عربية تتواءم وتتعايش مع شح إنتاجها من الغذاء حـــــتى في زمن السلم، وكأننا نستمرئ أن نـــــــضع رقبتنا تحت أيدي من يتحكمون أو يتـــهددون مصائرنا، وفي ذلك غفلة منا ينبغي أن نستيقظ منها.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي