كتاب وأراء

جمال عدوي : سوار الذهب .. سيرة غالية تحظى بالتقدير والعرفان

الكلمات تظل أقل من أن توفي أصحاب الفضل وأهل العطاء النبيل في مجالات العمل الوطني حقهم.. فقدر الرجال الذين يقدمون لأوطانهم ولأهلهم وللإنسانية كل ما يملكون هو قدر عظيم حقاً.
أبدأ بكتابة تلقائية لرثاء رجل في مقام عظيم، هو الرئيس السوداني الأسبق الراحل المشير عبدالرحمن محمد حسن سوار الذهب، تغمده الله بواسع رحمته.. ويحدوني في لحظة الكتابة الأمل أن أعبر بقدر الإمكان عن ما يكنه أهل السودان من وفاء لا محدود لكل ما قدمه هذا الرجل ليرسم لنفسه مسارات متميزة وفريدة تتوقف عندها التاريخ كثيرا.
اكثر ما يذكره الجميع للمشير سوار الذهب انه صاحب قرار انحياز الجيش السوداني إلى انتفاضة مارس أبريل 1985 التي أنهت مرحلة حكم الرئيس الراحل جعفر نميري.
وقتها اندلعت تلك الانتفاضة لينخرط فيها بتلقائية جل الشعب السوداني إن لم يكن كله.
انتهى نظام نميري فعلياً حين حمل أثير الإذاعة السودانية صوت المشير الراحل سوار الذهب وهو يتلو بياناً موجزاً وبليغاً باسم الجيش والشعب معاً.
وأعتقد أن كثيرين ما زالوا يتذكرون فحوى البيان وعباراته التي زلزلت عرش الطغيان الذي كان منبنياً على انقلاب قام به نميري ومجموعة من الضباط في الخامس والعشرين من مايو 1969 قاطعين الطريق على استمرارية ونضج تجربة الممارسة الديمقراطية في الواقع السياسي في سودان ما بعد الاستقلال.
مما أذكره أن ما جاء في البيان تضمن الكلمات التالية (قررت قواتكم المسلحة الاستجابة لرغبة الشعب في الاستيلاء على السلطة وإرجاعها للشعب خلال فترة انتقالية محددة.. لا اله إلا الله محمد رسول الله.. ولا غالب إلا الله).
بعدها لبعض الوقت ترك الكثيرون الراديو جانباً وانخرطوا في مسيرات تدشين الانتصار الشعبي الكبير عبر تلاحم نادر بين الجيش والشعب في ساحة العمل الوطني السوداني.
مما أذكره في تصريح لسوار الذهب في الأيام التالية لـ«التغيير» انه قال إن سفيراً لإحدى الدول الكبرى قال له إن السودان قدم نموذجاً حضارياً في التغيير.. بمعنى انه لم يحدث عنف أو فوضى.
وفي لقاء أجراه الزميل إسماعيل آدم مع سوار الذهب في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية قبل أعوام قليلة قال إنهم استطلعوا بوسائل محددة رأي غالبية الشعب السوداني ورأي غالبية ضباط وجنود القوات المسلحة، لذلك لم يكن هنالك بد من التغيير.
شهدت وقائع العمل الوطني بتعدد مجالاته وقطاعاته وميادينه اختيار سوار الذهب ليرأس مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية.. وحينها قدم الرجل بوفائه المعهود أقصى ما يملك من جهد للقضية التي أنيطت به مسؤوليتها.. قضية تفعيل الدعوة الإسلامية.
تجمع الآراء داخل السودان وخارجه على الإشادة بسوار الذهب العسكري رفيع الرتبة الذي انتقل بعد ذلك لرئاسة المجلس العسكري الانتقالي بالسودان من السادس من أبريل 1985 حتى السادس والعشرين من مايو 1986 موعد تسليم السلطة للحكومة التي تشكلت برئاسة الصادق المهدي عقب انتخابات حرة ونزيهة، لم يكن ينقصها سوى إجراء الانتخابات ببعض الدوائر التي كانت آنذاك واقعة في مناطق الحرب بجنوب السودان (قبل الانفصال لاحقا).
في يوم ما سألني فنان تشكيلي عراقي راحل في الرباط، هو الفنان حسني ابوالمعالي.. قال لي: هل لديك صورة لسوار الذهب. وقال انه يريد رسم لوحة له لأنه العسكري الوحيد الذي سلم السلطة للشعب ولم يرغب في الاستمرار لفترة إضافية عن ما كان متفقاً عليه وهو (عام واحد فقط).
إن الشهادات ستترى من قبل الكثير من الساسة والدبلوماسيين والعسكريين داخل السودان وخارجه لتحاول الكلمات ان توفي المشير (سوار الذهب) حقه من الوفاء نظيراً لما قدمه من عطاء مخلص.. عطاء لا ينتظر المقابل من قبل رجل علمته العسكرية أن يكون مستعداً في كل وقت للتضحية بأغلى ما يملك في سبيل الوطن وقيم الحق والخير والجمال.
قابلت المشير سوار الذهب في الرباط خلال أحد المؤتمرات وزرته بمقر إقامته مع الصديق بهاءالدين عثمان محمد عثمان، الذي كان والده زميلاً في العمل العسكري للمشير الراحل.. ولمسنا وقتها من قبله تواضعاً جماً.. تواضعاً يليق بمقام الرجال الأوفياء الذين يحفظ لهم التاريخ والناس أغلى السير وأنقى كلمات التقدير والعرفان.
ألا رحم الله سوار الذهب وتغمده بواسع رحمته واجزل له من العطاء بقدر ما قدم لوطنه وأمته العربية والإسلامية.
بقلم : جمال عدوي

جمال عدوي