كتاب وأراء

خولة مرتضوي ..خاشِقْجي موتٌ مِن نَوعٍ آخَر

سنتذكَّرُ جميعًا ولوقتٍ طويلٍ من العُمر مطلع أكتوبر 2018 الذي شُغِل عالميًا بالبحث عن الصحفي السعودي البارز جمال خاشقجي والتنقيب (إعلاميًا وأمنيًا واستخباراتيًا) عن سيناريو إبادتِه بشكلٍ مُريع من قِبل عصابات الحكومة السُعودية التي يشهَدُ لها التاريخ تورُّطها المباشِر بوأد الحَقِّ والنُصِح وتكميم الحُريَّة أينما وُجدَت، فهذه ليست هي المرّة الأولى التي يتمُّ فيها قتلُ معارضٍ بطريقةٍ غامضة؛ لأجل السُلطَة الفانية.
قارئي العزيز، يبدو أنَّ حُريَّة التعبير والنُصح بالمعروف والخير أصبَحَت في زماننا كبيرةً من الكبائر، كبيرةً لا ينجُو قائِلُها ولا ناوِيها من عِقابِ الموت ولو بعدَ حِين، خاصةً وإن كان المنصوحُ نظامًا دكتاتوريًا لا يعرِفُ إلا الإبادة والفساد، لقد تعلّمنا في كُليّات ومعاهد الصحافة والإعلام أنَّ الصحفي والكاتب (الحُرّ لا المُشترى) عليه أن يتحَمَّلُ مسؤوليَّة مُضاعفة عند التعبير عن رأيه بكُل حياديَّة وموضُوعِيَّة، كان أساتذتُنا يسردون لنا أمثلة متنوعة عن كُتاب دفعوا نظير طرحهم لآرائهم الإصلاحية ثمنًا عظيمًا، فبعضهُم طُرِد من العمل، وبعضهم لُوحِقَ قضائيًا، وآخرون نفوا إلى سرنديباتٍ مجهولةٍ مختلفة، لكنَّ اليوم نرى أنَّ هذه السيناريوهات أُجريت عليها عمليات تحديث شاملة، فجزاءُ الكلمة التي يُنوى منها الخير؛ يكون بالموت فورًا، موتٌ جديد ومِن نوعٍ آخر، فيه تقومُ الأوطان بوأد أبنائها والتضحية بهم بكُل سهُولة لتعيشَ بسلامٍ وأمان، فالله أكبر!
يستحِيلُ العقلُ البشري أن يتصَوَّر أنَّ ملاذَهُ وأمانَهُ الذي وُلدَ وترعرع فيه؛ يغدُر بِهِ بكُلِّ سهولة، خاشقجي لم يُرِد أن يُستبعَد آل سعود من المشهد السياسي بل أرادَ منهُم أن يُغيّروا الفساد إلى الإصلاح ما استطاعوا إليهِ سبيلًا، فماذا تريدُ الأوطان أكثر من ذلك نُصحًا وحُبًا؟
من الواضِح أنَّ النظام قد ضاقَ صدرُهُ عن الجميع وأصبحَ لا يُرحِّب إلا بالأصوات- الأبواق التي اشتراها بثمنٍ رخيصٍ ووظّفها للتطبيل والتزمير وتضليل الرأي العام، فهؤلاء وحدهم المبشرون بالجنَّة والسلام، أما دونهم من الأحرار فهم موعودون بالغضَب والموت، يقولُ الله تعالى في سورة إبراهيم: «وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ»، وفي ذلك، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا تُرْفَعُ فَوْقَ الْغَمَامِ، فَيَنْظُرُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ»، فاللهُمَّ أظهر الحقّ وأرِنا في كُلِّ ظالمٍ عجائب قُدرتِك.
لقد كان خاشقجي المغدور صحفيًا وكاتبًا ألمعيًا ذكيًا، ولم يخفَ عليه أبدًا أنَّ الثمن الذي سيدفعُه في يومٍ قريب سيكون باهظًا جدًا، فهو لم يكُن دُميةً كغيرهِ من الدُمى الرخيصة المرضِيَّة عنها مِمَن تتصدَّر المشهد الإعلامي السعودي، بل كان صاحب قلمٍ مهني صادِق عرّى خلالَهُ الكثير من الظُلمِ والفساد، وها هو قد دفعَ حياته ثمن خروجِهِ الحُرّ من عباءة النظام السعودي المقدَّسَة.
للإجرام وجوهٌ كثيرة، وهذه الجريمة تُعتبر من أبشع الجرائِم الوحشية، فهي جريمة استدراج نظامٍ سياسي لمواطِنِه ليدخُل الفَخ بعدَ إيهامِهِ بالأمان والطمأنينَة، جريمةٌ أخلاقية بحَق الإنسانية، فخاشقجي أعزَلٌ لم يتسلَّح يومًا إلا بقلمَهَ ولِسانِهِ الحُرّ، جريمة دبلوماسية مارقة، فهي ارتُكِبَت في دولةِ أُخرى وطبِّقَت في أرض السفارة السعودية التي كانت يجب أن تكون ملاذًا ووطنًا لأي سعودي يعيش أو يزور تركيا، إلا أنَّها أصبحت رُقعة لتنفيذ عملية الخطف والقتل والتقطيع، جريمةٌ عريضة ارتكبتها السلطات السعودية بكُل علنيَّة ووضوح ليُروِّع بها كُلّ مُعارضِيه، ولِتبقى هذه الحادثة درسًا تتعلَّمُ منهُ الأجيال القادمة!
إنَّهُ من المَضحك المبكي أنَّ تتكتَّم كُبريات وسائل الإعلام العربية المتواطئة عن الخوض في هذه القضية التي أشغلت الرأي العام العالمي، مظهرة إياها على أنَّها قضية صغيرة تستخدمُها قناة الجزيرة الإخبارية للضغط على السعودية، في شكلِ عُذرٍ آخرٍ قبيح من أعذار تُجّار الإعلام الذين يبيعون ذممهم ومصداقياتهم في أقربِ فرصَة وما أكثر هؤلاء، قال النَّبِيُّ الكريمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ؛ أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ».
قارئي الكريم، في مقاله الأخير الذي جاء بعنوان (أَمَسُّ ما يحتاجه العالم العربي هو حريَّة التَعبير)؛ رأى خاشقجي أنَّ العالم العربي كان «مُفعمًا بالأمل» خلال ربيع عام 2011.
وقال: «كان الصحفيون والأكاديميون وعامة الشعب يفيضون بتوقعات لمجتمعٍ عربيٍ مشرق وحُر في بلدانهم المحترمة. توقعوا التحرر من سيطرة حكوماتهم والتدخلات المستمرة والرقابة على المعلومات. هذه التوقعات سرعان ما تحطمت، وهذه المجتمعات بعضها عاد إلى وضعه السابق أو واجه ظروفاً أكثر قسوة من ذي قبل».
وأضاف أنَّ هناك عددًا قليلًا من الواحات التي لا تزال تجسد روح الربيع العربي، حيثُ تواصل حكومة قطر دعم التغطية الإخبارية الدولية مقارنة مع جهود جيرانها للسيطرة على المعلومات ودعم النظام العربي القديم. وأكد خاشقجي في مقالِه أنَّ العرب يحتاجون إلى القراءة بلغتهم الخاصة حتى يتمكنوا من فهم ومناقشة مختلف جوانب ومضاعفات الديمقراطية في أميركا والغرب. وقال: «إنَّ العالم العربي بحاجة ماسة إلى نسخة حديثة من هذه المبادرة حتى يتمكن المواطنون من الاطلاع على الأحداث العالمية، فنحن بحاجة إلى توفير منصة للأصوات العربية، نحن نعاني من الفقر وسوء الإدارة وسوء التعليم، إنَّ إنشاء منتدى دولي مستقل ومعزول عن تأثير الحكومات القومية التي تنشر الكراهية من خلال الدعاية؛ سيُمكِّن الناس العاديين في العالم العربي من معالجة المشاكل البنيوية التي تواجهها مجتمعاتهم»، صدقت بكلماتك الأخيرة يا جمال، علمتنا بحَقّ أنَّ الجُبناء لا يصنعُونَ الأوطان، وأنَّ الخير والصلاح وإعمار الأرض بحاجة إلى شجاعةٍ وإيمانٍ وقوَّة.
خاشقجي ليسَ إلا أنموذجًا جديدًا من نماذِج الإنسانية التي تُباد وتُقتَل في كُلِّ مكان وبسيناريوهات سوداء حالكة؛ ظُلمًا وقَسرًا وبُهتانًا، فالناس في أُمَّتِنا كانوا يُقتّلون عبرَ التاريخ من قِبَل أعدائهِم واليوم نُقَتَّلُ ونُقَطَّعُ ونُنشَر ونُذاب من أبناء أُمتِنا، ممَن يحمِلون راية التوحِيد ويعلمون تمام العِلم أنَّ «مَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا»، هذا الحَقُّ الذي أنزلَهُ اللهُ في مُحكَمِ تنزيله سيكونُ مهما طال الزمانُ أو قصُر.

‏جمال خاشقجي، صوت الحُريَّة القويّ، ‏الحُريِّة المجهضة عبر مشنقة\ مِنشرَة الوطن، لكَ السلام وعليكَ الرحمة أيُّها الحرُّ الأبِيّ، ‏سقوطُ الأحرار ما هو إلا طلوعٌ لفجرٍ ومَجدٍ جديد، ‏وما خابَ يا سيّدي المغدور إلا المعتدون.
إعلامية وباحثة أكاديمية- جامعة قطر

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي