كتاب وأراء

لماذا تراجع الهجوم لفرض صفقة القرن؟

المتابع للتطورات والأحداث في المنطقة على ضفة الصراع العربي الصهيوني يلحظ بشكل واضح ان الهجوم الذي بدأه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إثر تسلمه مقاليد السلطة في البيت الأبيض لفرض تمرير صفقة القرن، على أساس الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة للدولة الصهيونية العنصرية وشطب حق العودة، قد تراجع، والدول التي دعمت هذه الصفقة في البداية وراحت تروج لها أيضا لم تعد متحمسة لها وعادت لتلوذ بالصمت والاختباء مجددا خلف الموقف الفلسطيني بالقول انها لا توافق على أي شيء لا يقبل به الفلسطينيون..
لكن لماذا تراجع هذا الهجوم في السعي إلى فرض وتمرير صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية لمصلحة المشروع الصهيوني؟.
المتابع للأحداث لابد وأن يلحظ بأن هناك عدة عوامل أسهمت في ذلك وهي:
العامل الأول: الصمود الأسطوري والبطولي للشعب العربي الفلسطيني في تمسكه بحقوقه الوطنية كاملة ورفض أي تفريط أو تنازل عنها وتصعيد انتفاضته ومقاومته ضد الاحتلال بأشكالها المختلفة في كل مناطق تواجده في فلسطين المحتلة وقطاع غزة المحاصر.. وأدى هذا الصمود وهذه المقاومة والانتفاضة إلى مناخ فلسطيني يحول دون إمكانية اقدام أي طرف فلسطيني على القبول بصفقة القرن حتى ولو كانت معدلة، لاسيما وأن الأمر مرتبط بقضايا جوهرية تشكل خطا احمر فلسطينيا التنازل عنها يعتبر خيانة كبرى، وهي القدس وحق العودة..
العامل الثاني: فشل المشروع الأميركي الصهيوني للقضاء على قوى المقاومة في لبنان وسوريا وبالتالي سقوط محاولات خلق مناخ استسلامي انهزامي يوفر الظروف المواتية لتمرير صفقة القرن فلسطينيا من دون أن يكون هناك قدرة على الاعتراض عليها أو مقاومتها...
العامل الثالث: فشل الخطة الأميركية لتعويم مشروع الهيمنة الأميركية على المنطقة عبر استخدام تنظيم داعش مظلة لتحقيق ذلك، وبالتالي تراجع ملحوظ في النفوذ الأميركي في المنطقة لصالح تنامي النفوذ الروسي الذي تعزز من خلال مشاركة روسيا بقوة في الحرب ضد داعش وقوى الإرهاب وإلحاق الهزيمة بها في سوريا والعراق..وأدى ذلك إلى استعادة روسيا لدورها على الساحة الدولية الذي فقدته في أعقاب تفكك وانهيار الاتحاد السوفياتي.. واستطرادا أدى كل ذلك إلى تكريس موازين قوى جديدة على الصعيد الدولي تعززها التحولات الاقتصادية التي تؤشر إلى انتقال مركز الثقل في الاقتصاد العالمي من الغرب إلى الشرق..
هذه العوامل أسهمت في اضعاف النفوذ الأميركي مما حد من هيبة وسطوة واشنطن في العالم والمنطقة وأثر بالتالي على قدرة الإدارة الأميركية في تمرير صفقة استسلامية لتصفية القضية الفلسطينية.. خصوصا وأن روسيا ترفض مثل هذه الصفقة وتدعو إلى تنفيذ القرارات الدولية لتحقيق تسوية تفضي إلى إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية..
ان التحولات الحاصلة في موازين القوى الدولية وانتهاء زمن السيطرة الأميركية الأحادية، ونشوء عالم متعدد الأقطاب يؤسس بالضرورة لولادة نظام دولي جديد متوازن، إنما يصب في مصلحة الشعب العربي الفلسطيني ومقاومته وانتفاضته البطلة التي تبتدع وتبتكر وسائل جديدة في حرب الشعب ضد المحتل، الأمر الذي يدخل كيان الاحتلال الصهيوني في مأزق عدوانه واحتلال وعدم قدرته القضاء على هذه المقاومة والانتفاضة التي تستمد قوتها من الشعب وعدالة القضية..
لهذا كله كان من الطبيعي أن يتراجع الحديث عن صفقة القرن.. ونشهد مأزق تخبط كيان الاحتلال في مواجهة مسيرات العودة الكبرى على حدود قطاع غزة وفي مواجهة تنامي قدرات الردع لدى المقاومة الفلسطينية في القطاع ما يربك حكومة العدو ويجعلها في حالة من الانقسام إزاء كيفية مواجهة هذا الوضع.

بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي