كتاب وأراء

الجزيرة تكسب

بعد الاعتراف الرسمي للمملكة العربية السعودية بقتل الكاتب والمفكر السعودي جمال خاشقجي في قنصليتها بإسطنبول أصبح على الجميع الذين يهتمون بالدراسات الإعلامية أن يرفعوا القبعة الآن لقناة الجزيرة، فهي التي ربحت السبق الصحفي مع الحفاظ على المعايير الخبرية والصدق والقيم الإنسانية، فيما يتعلق بهذا الأمر الذي هزَّ الرأي العام العالمي.
مقالي أو حديثي هنا هو حديث إعلامي بحت لا علاقة له بالسياسة، أو تناول مواقف البعض من دول ومؤسسات وأفراد، فمنذ انطلقت الجزيرة، وهي تؤكد أنها منبر من لا منبر له، وأنها تمتلك أكبر شبكة مراسلين، وتعقد الندوات تلو الندوات والملتقيات تلو الملتقيات للتأكيد على ضرورة أن يكون الإعلام بناءً من خلال تحري الصدق والحقيقة في تحرير ونشر الأخبار على الناس، وعرض وجهات النظر الرصينة العميقة، والنزيهة المجردة من كل غرض أو هوى.
في قضية مقتل الكاتب السعودي جمال خاشقجي في قنصلية السعودية بإسطنبول حرصت الجزيرة على تحري الدقة والحقيقة في نشر كل ما هو جديد في هذه القضية وذلك من خلال المصادر الوثيقة المطلعة، ومن خلال زرع مراسليها عمر الحاج وعمر خشرم في موقع الحدث أمام القنصلية السعودية وسكن القنصل السعودي في إسطنبول، ونقلت بالصوت والصورة دخول فرق التحقيق إلى هذين الموقعين بالتزامن مع الحدث.
استطاعت الجزيرة الحصول على صور حصرية لأفراد الفريق المشتبه بهم، وتنقلاتهم بين القنصلية والفندق والمطار ونشر أسمائهم ووظائفهم لتدعم صدق أخبارها وعمق تحليلاتها في الوقت الذي حاولت فيه قنوات أخرى تشويه الحقائق وطمسها لتزييف الوعي العربي وتضليل الرأي العام، وفي الوقت الذي عجزت فيه معظم وسائل الإعلام عن الوصول إلى المعلومات المؤكدة حول الحدث، وَمِمَّا لا شك فيه أن وقائع كثيرة تكتنف هذا الحادث لا تزال مجهولة وأن تسجيلات الصوت والصورة لابد لها أن تعلن في القريب العاجل وفي الوقت الذي يراه المعنيون من كافة الأطراف مناسباً.
وتأكيداً لحيادها الإعلامي وعدم تلوين الأخبار، ودرءاً لأي تهمة توجه لها بالتحيز ضد طرف، حرصت الجزيرة بكل أمانة على نشر البيانات الرسمية الصادرة عن المملكة العربية السعودية وركزت على بيان الخارجية السعودية، وعلى موقف الرئيس الأميركي ترامب المساند للرواية السعودية.
الجزيرة هي الرابح في السباق الإعلامي، لذلك تحظى بأعلى نسبة مشاهدة داخل الوطن العربي وحول العالم.
أصبح إيقاع الحياة أسرع مما كان يتخيل الكثير من الناس، كما أصبح مزدحماً بالأحداث، وهذا الواقع الجديد يشكل تحدياً كبيراً أمام وسائل الإعلام ويضعها في منافسة شديدة مع بعضها البعض، خصوصاً في ظل ما يسمى بالإعلام الجديد، ففي دقيقة واحدة يمكن إنتاج رسالة إعلامية نصا وصور فوتوغرافية أو مقطع فيديو وإرساله إلى ملايين الناس فيأتي التأثير سريعاً، وذلك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يلزم التعامل الإعلامي من خلال هذه الوسائل سوى جهاز الهاتف.
هذه المرونة والسهولة التي يتسم بها الإعلام المعاصر وضعت القنوات والشبكات الفضائية في موقف لا تحسد عليه، إذ أصبح المطلوب منها سرعة نقل الخبر قبل أن يتم تعميمه عبر هذه الوسائل الجديدة، ونستطيع القول إن الجزيرة تجاوزت هذه التحديات، وبقي على الجميع أن يؤمن بضرورة حرية الإعلام، وأن إخفاء الحقائق أو طمسها أو تزييفها لم يعد ممكنا، ونسأل الله السلامة للجميع والاستقرار لكل وطننا العربي وهو سبحانه من وراء القصد.
بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي