كتاب وأراء

علي بدوان : الصين والوجهة الإفريقية

الحركة التجارية والاقتصادية للصين الشعبية لا تهدأ على الإطلاق، حيث الطموح الصيني المتواصل للتربع على عرش الاقتصاد العالمي، انتقالاً من الموقع الثاني إلى الموقع الأول خلال العقدين المقبلين، بالرغم من التحدي الكبير المتوقع أن تواجهه الصين الشعبية في مجاراة الاقتصاد الأميركي، وسعي واشنطن لاستنزاف بكين عبر إشعال التوترات السياسية وحتى العسكرية في منطقة بحر الصين، وغيرها من بؤر التوتر في تلك المنطقة، وهو ما دفع بكين لمواجهة واشنطن على جبهتين: الجبهة العسكرية بنشر القوات والقطع البحرية الصينية في بحر الصين حتى خليج اليابان، والجبهة الاقتصادية من خلال الالتفاف على واشنطن اقتصادياً في منطقة بحر الصين، باعتماد التوجه الاقتصادي نحو الدولة المحيطة وعلى قاعدة المنافع المتبادلة، وصولاً للقارة الإفريقية، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا من 765 مليون دولار سنة 1978 إلى أكثر من 170 مليار دولار سنة 2017، بزيادة تصل إلى 14% سنوياً منذ ذاك الحين وحتى الآن.
وقبل شهرٍ مضى تقريباً، اختتمت فعاليات الدورة السادسة لمعرض (الصين/أوراسيا)، في شمال غربي الصين بتوقيع عقود تزيد قيمتها عن أربعين مليار دولار (مقابل 18 مليار دولار في الدورة السابقة)، في قطاعات الهندسة الكيماوية والطاقة وحماية البيئة والثقافة والسياحة والمواد الجديدة وغيرها من المجالات، في مشاريع عمل تتَعاون بها 35 دولة على الحدود بين أوروبا وروسيا والصين (أي بين أوروبا آسيا)، لإنجاز المشروع الصيني الضخم «الحزام والطّرِيق»، وتستأثر الشركات الصينية بنصيب الأسد من عُقُود هذا البرنامج الذي يرمي إلى نسف المحاولات الأميركية لعرقلة هيمنة الصين القادمة على الاقتصاد العالمي ككل.
الصين، برئاسة قائدها المُحنك (شي جي بينغ) تُدرك أبعاد لعبة الإشغال الأميركي لها، فتوجهت أيضاً ومنذ مدةٍ ليست بالقصيرة نحو القارة الإفريقية، حيث وصلت درجة بلوغ الشركات الصينية مرحلة المنافسة للشركات الغربية العاملة في عددٍ من دولها، وقد أثمرت جهود الصين الشعبية في توقيع اتفاقيات استثمار ثروات النفط والمعادن في افريقيا لتشغيل صناعتها، وترويج بضاعتها انتقالاً لمَيْدان تصنيع التجهيزات الإلكترونية والتّقنية والألواح الشمسية والحواسيب والهواتف المحمولة، وأصبحت تنافس شركات أوروبية وأميركية، في أسواقها المحلية وفي مجال ذي قيمة زائدة مُرْتَفِعَة.
إن الصين الشعبية في مسعاها الإفريقي تأمل أيضاً في المحافظة على مصادر الطاقة والمواد الأولية من هذه السوق الضخمة، حيث تُعدّ الصين ثاني مستهلك عالمي للنفط، وتحصل على ثلث حاجاتها النفطية من أفريقيا والباقي من منطقة الخليج وخاصة إيران، فأنشأت «مُنتدى التّعاون الصين – إفريقيا» (فوكاك)، سنة 2000 لتنعقد القمة مرة كل ثلاث سنوات، بهدف «دعم التعاون جنوب – جنوب، بين الصين وقارة إفريقيا» يوم الثالث من سبتمبر الماضي 2018 لمدة يومين بمشاركة كافة الدول الإفريقية (53 دولة) ومفوضية «الاتحاد الإفريقي»، فطرحت الصين الشعبية استثمارات تفوق عشرة مليارات دولار في القارة خلال السنوات 2019 – 2021، كما في الحديث عن «تمويل بقيمة تصل إلى ستين مليار دولار» خلال ثلاث سنوات.
بقلم : علي بدوان

علي بدوان