كتاب وأراء

الصيدليات الخضراء

حبشي رشدي
العلاج الذي يخلص أبدان مرضى من أوجاعها وأمراضها لم يعد فقط مدونا في تذكرة دواء يصفه الأطباء وتصرف من الصيدلية، ولكن العلاج ايضا صار تذكرة سياحة يصفها الأطباء إلى مناطق طبيعية خلابة بغطائها النباتي النضر وأشجارها السامقة المورقة اليانعة الخضرة، ففي بريطانيا بدأ تنفيذ أول مشروع في العالم لاستخدام الطبيعة في العلاج من خلال برنامج أطلق عليه «الوصفات الطبيعية».
وفي اسكتلندا أيضا صارت هناك إعلانات جدية لاستخدام «الطبيعة في العلاج» وفق توصيات رسمية، ووفقا للخبراء والأطباء.
الغريب في هذا الأمر أن تراثنا العربي قد تبين دور الطبيعة بمناظرها الجميلة في تبديد الحزن عن النفس، وبالتالي العلاج من الأمراض قبل أن يثبت أطباء بريطانيون ذلك من خلال أبحاثهم العلمية، وقبل أن يحول الأخيرون الطبيعة بحسنها إلى وصفة علاج، فقيل بتراثنا العربي: ثلاثة تجلو عن القلب الحزن: الماء والخضرة والوجه الحسن، فمناظر الطبيعة التي تهفو إليها الأبصار تمنح لمشاهديها طاقة إيجابية.
ولهذا صرت أعتقد أن المشاتل التي تبيع وتوفر شتلات الزهور والأشجار وشجيرات الزينة بأحجامها وأنواعها المختلفة، هي صيدليات خضراء للأبصار لا ينبغي الاستخفاف بدورها، وان الحدائق العامة المعتنى بها بمثابة دواء طبيعي لزائريها، مما ينبغي معه الاعتناء بالحدائق المنزلية لتجمع بين الإثمار الاقتصادي لخضر وفاكهة وأيضا دواء الجمال الذي تشيعه في المكان ويكون بهجة للبصر والنفس.
نفس الدراسات البريطانية السالف الاشارة اليها والتي شملت حوالي 300 مليون شخص في أوروبا وأستراليا واليابان، أثبتت أن النشاط البدني في المناطق الخضراء الغنية بالنباتات الطبيعية يخفض خطر الموت المبكر بسبب عوامل عديدة، فهي تؤدي إلى تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية ومرض السكري، فضلا عن انها تزيد الفترة الإجمالية للنوم، ولهذا بئس المناطق السكنية في مدن عربية مخططة كما لو انها علب من الاسمنت وتخلو تماما من الأشجار والنباتات الخضراء والزهور، ولهذا تكون صحة المزارعين والفلاحين أفضل حالا من سكان هذه المدن، الا اذا ارتكب هؤلاء المزارعون حماقات بيئية تلوث غير الملوث فتعتل أبدانهم بسوء سلوكهم.
وربما تفسر تلك الدراسات ايضا أسباب تألق شاعرية شعراء نشأوا في الأرياف العربية وعانقت أنظارهم جمال الطبيعة والحقول وبساتين الفاكهة، فهذه المناظر الخلابة تجتلي شاعريتهم وتجعلهم يراقصون الكلمات، وتتعمق بصيرتهم الشعرية في الاشياء والظواهر والمشاعر، اذ حينما يتسيد جمال الطبيعة على الأمكنة يقل اشتباك الانسان مع أخيه الإنسان وتترقق الأحاسيس ويرتفع منسوب نقاء القلب والنفس.
كاتب هذه السطور من عشاق الريف وحقوله الخضراء الممتدة رغم انه جاء إلى الحياة في عمق المدينة، حتى انني في أحيان أركب قطارا في الصباح الباكر يمخر عباب الحقول، وأحجز موقعا إلى جوار إحدى نوافذه، لأمتع البصر بهذه المناظر الحقلية والشجرية الخلابة، وكان بعض من حولي يرون في ذلك سلوكا بائسا وغريبا، ولكنني بعد أن قرأت مؤخرا خبرا عن هذه الدراسات تبينت انني كنت أعقل العقلاء باللوذ بروعة وجمال الريف الأخضر.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي